كتب باسكال عبقريته وبصيرته النافذه: "إن الإنسان إذ يود لو كان عظيماً ويرى نفسه ضئيلاً، ويود لو كان سعيداً ويرى نفسه شقيا ، ويود لو كان كاملاً ويرى نفسه مليئًا بالنقائص، ويود لو حصل على حب الناس وتقديرهم ويرى أن نقائصه وأخطاءه لا تستحق منهم إلا الامتعاض والاحتقار، يعاني الشعور بالإحباط والحرج مما يولد فيه عواطف ومشاعر بها من الحقد والظلم والإجرام ما لا يمكن تخيله ، إذ إنه يشعر بكراهية قاتلة إزاء تلك الحقيقة التي اكتشفها والتى تخبره بأنه هو الملوم، والتي لا تفتأ تذكره بنقائصه".
هذا الاقتباس من كتاب "ماذا حدث للمصريين " للأستاذ جلال أمين.
............
في هذا النص يوضّح باسكال أن الإنسان لديه رغبة دائمة في أن يكون عظيمًا، لكنه يكتشف نفسه صغيرًا وضعيفًا، وأن يكون سعيدًا، لكنه يجد نفسه تعيسًا ومثقلًا بالمعاناة، وأن يكون كاملًا، لكنه يصطدم بعيوبه ونقائصه، بل وحتى أن يكون محبوبًا ومقدَّرًا من الناس، لكنه يكتشف أن عيوبه تدفعهم إلى رفضه واحتقاره. يرى باسكال أن الإنسان كائن متناقض، يحمل في داخله "توقًا للكمال والعظمة"، ويعيش صراعًا دائمًا بين ما يتمناه وبين الواقع الذي يحيط به. هذا التناقض يولّد داخله شعورًا بالإحباط، بل ويُنتج مشاعر أسوأ كالغيرة والحقد وكراهية الآخرين. إن إدراك الإنسان لنقائصه يجعله يتألم أكثر، لأن وعيه يظل يذكّره دومًا بالهوة الفاصلة بين ما يريد أن يكون وما هو عليه فعلًا. وفي النهاية يسعى باسكال إلى التأكيد على أن الإنسان لا يستطيع أن يجد السلام الداخلي أو المعنى الكامل في ذاته وحدها؛ إذ يظل النقص قائمًا، ويظل الصراع بين "العظمة" و"البؤس" ملازمًا له.
التعليقات
لا أذكر العالم أو الفيلسوف الذي قال: أن الإنسان يسعى للكمال لأنه يدرك أنه ناقص، ويسعى للسعادة لأنه يرى نفسه شقي وحزين.
وفي هذه الحالة لا يوجد تناقض مثلما رأى باسكال بل هو تحصيل حاصل، وتكون الرذيلة هي محرك البحث عن الفضيلة. وهنا يمكن أن نتفرع إلى نقطتين:
الأولى: لو كان محرك الإنسان هو نقائصه كما قلنا يسعى للسعادة لأنه يدرك أنه شقي، فهو لن يصل أبداً للسعادة، وسيظل في عملية سعي متواصل من أجلها، لكن لن يشعر بها أبداً، وسيكون مثل الفأر الذي يجري على عجلة، فلا يصل لأي مكان ولن تقف العجلة.
النقطة الثانية: أن ذلك ليس دوماً ما يحدث، فهناك أشخاص عرفوا أنهم في نقص وسوء خلق ولم يدفعهم ذلك لطلب الكمال ولا الخلق الحميد: مثل الشاعر: بشار بن برد، بل على العكس كان يتمادى في الرذائل حتى يغيظ المجتمع حوله، وهذه حالة متكررة فعلها كثير من الكتاب والشعراء، كأوسكار وايلد أيضاً.
ألا ترى في الشعراء المتحررين مثال جون ويلموت، ومن ذكرتهم أيضًا، يستخدمون التحرر وسيلةً للتمرد والسعي للكمال أيضًا؟ ولكن دون مبادئ أخلاقية؟؟ في رأيي، حتى الكلبيين والعدميين، هؤلاء يحاولون التخلّي في سبيل المثالية في فلسفاتهم.
في رأيي أن الإنسان كائن اجتماعي: أي أنه يسعى للتأييد والاعتراف من غيره من الناس، لكن لكل قاعدة شذوذ:
في حالة بشار والكلبيين كانوا منبوذين من المجتمع من البداية فنقموا على المجتمع، وكانوا يجهرون بمفاسدهم رغبة في مشاكسة المجتمع.
لكن جون ويلموت مختلف أنه مولود كأرستقراطي، فربما ما كان يفعله هو نوع من التعالي على المجتمع الذي يحب أن يظهر الأخلاق، ويمارس الفساد في السر.
الكمال لله وحده، ونحن بالفطره نبحث على أن نكون النسخه الأفضل من أنفسنا، فلا عيب في ان أضع يدي على نقص بداخلي وأحاول معالجته أو التخلص منه . التقه بالنفس في حد ذاتها تمنحنا الشعور بالإمتنان لما نحن عليه . فلا عظمه دائمه ولا بؤس دائم ، فنحن في معركه الحياه وهى دنيا فيها ما يبهجنا وفيها ما يحزننا . أما الحقد والكراهية فهو سلوك بغيض لايأتي إلا من أنسان فشل في البحث عن ذاته ،وفشل في تحقيق أهدافه وركن إلى ذلك الشعور الذي أدي به إلى الاحباط
إدراك الإنسان لنقصه نعم يؤرق حلمه بالمثالية والكمال، ولكنه أيضًا مع زيادة المعرفة والتعمّق يدرك إنه "محدود وحياته أقصر من ضياعها بلا معنى"، لذا، أظن إن التعمّق في إدراك القصور العقلي البشري، هو نفسه وسيلة التواضع أمام تجارب الحياة وتقديرها كما هي، باستثناء التجارب المؤلمة، لأنه مهما بلغ الإنسان من نضج ووعي، ستظل فكرة وجود "الألم" مؤرقة، لإنها لا تنتهي ببساطة، ولكن يمكن التعايش معها، ومحاولة تناسيها.
هذا يُذكرني ببيت شعر لعباس محمود العقاد حيث قال فيه:
صغيرٌ يطلبُ الكِبرا .. وشيخٌ ود لو صَغُرا
وخالٍ يشتهي عملا ً.. وذو عملٍ به ضَجِرا
ورب المال في تعب .. وفي تعب من افتقرا
وذو الأولاد مهمومٌ .. وطالبهم قد انفطرا
ومن فقد الجمال شكي .. وقد يشكو الذي بُهِرا
ويشقى المرء منهزما .. ولا يرتاح منتصرا
ويبغى المجد في لهفٍ .. فإن يظفر به فترا
شُكاةٌ مالها حَكَمٌ .. سوى الخصمين إن حضرا
فهل حاروا مع الأقدار .. أم هم حيروا القدرا ؟
نحن دائمًا بين صورتين صورة نتمنى أن نصل إليها وصورة نعيشها في الواقع وهذا الفرق يسبب لنا إحباطًا وحزنًا كما قال باسكال لكن أظن هذا الصراع ليس كله سلبيًا أحيانًا هو الذي يدفعنا لنتعلم ونطور أنفسنا ونبحث عن معنى لحياتنا المشكلة تبدأ عندما يتحول الإحساس بالنقص إلى جلد للذات هنا يحبس الإنسان نفسه في دائرة إحباط وكره لكن لو رأى أن النقص طبيعي في كل إنسان وأن الكمال رحلة لا تنتهي عندها يعيش أهدأ ويتصالح أكثر مع نفسه ومع الناس
النفس البشرية قادرة على جمع المتناقضات، وهذه حقيقة تتجلى بوضوح في التصرفات اليومية. لقد برع العديد من الأدباء، مثل دستويفسكي، في استكشاف هذه التناقضات المعقدة وتصويرها بأسلوب عميق، حيث يسرد كيف يمكن للإنسان أن يحمل في داخله الخير والشر، الحب والكراهية، القوة والضعف في آن واحد.
وهنا يبرز دور الإنسان في تهذيب نفسه وتقويمها. هذا التهذيب لا يأتي من فراغ، بل هو نتيجة لعملية واعية تبدأ بإدراك المرء لنواقصه وعيوبه، ومن ثم تقبّلها كجزء من طبيعته. بعد ذلك، يمكنه أن يبدأ رحلة العمل الجاد للارتقاء بنفسه على المستوى الأخلاقي والروحي. إنها معركة داخلية مستمرة، وليست حدثًا عابرًا، تتطلب الصبر والمثابرة لفهم أعماق الذات وتوجيهها نحو الخير والكمال-وإن كان لا يُدرك-.