ها هم المتحاورون يلتقون، كسيفين في ميدان، كلٌّ يرفع سلاح حجته، لا ليستنير بل ليُخضع. فيبدأ النقاش كبحثٍ عن حقيقة، ثم يتدرج في الضجيج، فإذا هو معركةُ أَشباهٍ تَحتدم فيها الأصواتُ لا الأفكار. تَختفي الموضوعيةُ وراء سُحبِ الأَنَفة، ويغدو الكلامُ مجرّدَ قذائفَ لـ"كسر" الخصم لا لبناء فِكر.
وهنا يبرع المحتال، فيرفع صوته جَهوريّاً كالرعد، يُغطّي به ضعفَ حُجّته، ويُرهبُ بسَطوته. فيتضاءل صوتُ العقل، ويَعلو صخبُ التحدي. وحينها، لا مفرَّ للحكيم إلا أن يَرفع يده في هدوء، ويَنسحبَ من سوق المزايدات، صَوناً لكرامته، وحفظاً لطاقة روحه من التَّلف في معركةٍ لا تُنتِجُ سوى الدخان.
فيا للعجب! أَكثَرُ المتعلّمين يُدمنون النقاش ليُسمِعوا العالمَ صوتَهم، ناسين أن الأُذنَ أوّلُ أبواب الحكمة.
التعليقات