كانت العودة إلى البيت دائمًا تعني شيئًا أكبر من مجرد عبور الباب والدخول إلى صالة مكيفه.
في كل مرة تطأ فيها أقدامنا عتبة المنزل، نشعر أن ثمة سقفًا آمنًا يحمي أرواحنا قبل أجسادنا. سقف، لم نبنه نحن، لكنه وُجد فوق رؤوسنا، بسبب من لم يعودوا معنا. لقد ورثنا هذا السلام، لكن لا أحد يخبرنا بوضوح كم كان ثمنه.
لمن يفضل الاستماع، هذا هو رابط المقطع
_____________
وبما أنك فضّلت القراءة، لنواصل حديثنا.
يقولون إن الحرب انتهت، ولكنهم لا يروْن الندوب التي ما زالت تتنفس في جدران الصمت، في نظرات الأمهات، في الخطى التي لا تزال تبحث عن أبنائها في الطرقات. لقد عاشوا النار والدخان، رأوا القنابل وهي تسقط على المدارس، وناموا على أصوات الانفجارات. هل هؤلاء نحن، لا، فقد جئنا بعدهم، وجدنا الأمن ينتظرنا على أعتابه، ولم يسأل كثير منا كيف وصل إلى هنا. وإذا لم تتّضح الصورة يمكنك سؤال أهل غزة.
_____________
واقعنا الآن يعجّ بالتناقض، حيث يُشتم الفساد ويركن إليه، يُلعن الظلم ، ويُسكت عنه. ومع ذلك، ما زال هناك دور لنا لنلعبه، فلا أحد يكتب التاريخ على جلسات الطرق، ولا أحد يصنع المجد وهو متكئ على وسادة الخمول، يمجّد "زمن الأبطال" ويجترّ بطولات غيره. عبادة الأصنام لم تعد تعني التماثيل، بل صارت كسلاً مقدّسًا، وخوفًا من أن نخطو خطوة واحدة في الاتجاه الذي بدأه من سبقونا.
_____________
السلام الذي نعيشه ليس طبيعيًا، هو حالة استثنائية بُنيت فوق جثث الملايين. سقفنا هذا، الذي لا نراه يهتزّ في العواصف، ليس إلا بقايا حلم انتهى في خنادق مجهولة. ومع ذلك، نراه حقًا مكتسبًا، لا مسؤولية فيه ولا واجب تجاهه.
_____________
الأطفال الذين عاشوا في الحرب ينظرون إلى السلام كمعجزة، أما من وُلدوا فيه، فيرونه كأنفاس لا بد أن تُؤخذ دون ثمن. نحن ننتمي إلى الجيل الثاني، جيل من لم يُجرّب الخوف الحقيقي، ومع ذلك، نحن نحمله في جيناتنا، نحمله دون وعي، تمامًا كما نحمل العار عندما نخذل من قاتلوا لأجل هذا الوطن.
_____________
وفي لحظة يجب أن تُعاد إلى الذاكرة، في يوم 29 جوان من سنة 1992، سقط محمد بوضياف، بطل الثورة وأحد رموزها، وهو يتحدث للوطن مباشرة. لم يُقتل في ساحة معركة، بل اغتيل على الهواء، أمام شعبه، وهو يحاول أن يقول شيئًا عن النهوض من الرماد. لم تكن رصاصة فقط، بل رسالة: أن المجد خطر، وأن من يريد أن يغيّر، عليه أن يعرف الثمن مسبقًا.
_____________
ورغم ذلك، لا يزال لدينا الوقت. لا يزال لدينا وطن، وإن كان متعبًا. وسقف، وإن كان مثقوبًا بذاكرة الدم. لننفض عن أنفسنا غبار الركود، ونمشي على الأثر لا لنمجّد، بل لنواصل. لأن من عاش الحرب لم يكن يريد منا أن نحمل السلاح، بل أن نحمل الوعي، أن نصون السلام لا بالفراغ، بل بالفعل. أن نكون امتدادًا لما بدأوه، لا نهاية له.
التعليقات