من سور القرآن العظيمة -وكله عظيم- سورة عبس . يشاء الله ان تأتي امامي اليوم بتلاوة القارئ الكفيف في صلاة التراويح وكأني اول مرة اسمعها .
تخيل ان يعاتب الله جل جلاله من فوق سبع سماوات خاتم أنبيائه ورسله النبي المصطفي عليه افضل الصلاة والتسليم من اجل رجل اعمى فقير من فقراء المسلمين .
الله المتكبر الجبار القاهر صاحب الأمر والنهي مالك كل شئ يعاتب سيد الرسل وخاتمهم من اجل هذا الاعمى الفقير . والله لو لم يدل على عظمة الدين غير هذا الموقف لكفى .
والعتاب من الله كان لمجرد إعراض النبي بتقطيب وجهه ل هذا الاعمى (الذي لايراه!!) الذي ضمن النبي إيمانه وعلم مافي قلبه رغبه في ان يسلم وجهاء الكفار الذين كانوا يجلسون مع النبي ليسمعوا عن هذا الدين ،اي لم يكن هذا الأعراض لكبر وإنما كان من اجل مصلحة الدعوة كما قدر النبي ذلك في هذا الموقف ، هذا مااستوقفني في هذه الايات ،هذا الموقف الرباني الإنساني الإسلامي في الانحياز لمسكين جاء من اجل التعلم من النبي على حساب وجهاء المشركين . مااعظم الإسلام وتربيته للنبي وللصحابة ولنا من بعدهم !
يعاتب الله نبيه ويقول له "ومايدريك لعله يزكى او يذكر فتنفعه الذكرى"
وللمفسرين في تفسير هذه الايه قولان:
ان المقصود هنا هو الاعمى بمعنى مايدريك يامحمد ربما ماجاء يسأل عنه سينفعه ويزكيه
والقول الثاني هو استكمالا للعتاب اي ومايدريك ان من جالستهم من الكفار سينتفعون بهذا الذكر ويتبعونك . ورجح العديد من المفسرين الرأي الأول .
ومن لطيف ما قاله المفسرون تعليقا على الايات في صدر سورة عبس :
قال السيوطي في (الإكليل): في هذه الآيات حث على الترحيب بالفقراء والإقبال عليهم في مجلس العلم وقضاء حوائجهم، وعدم إيثار الأغنياء عليهم.
وقال الزمخشري: لقد تأدب الناس بأدب الله في هذا تأدباً حسناً. فقد روي عن سفيان الثوريّ رحمه الله أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراء.
قال الفخر الرازي: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأذونا له في تأديب أصحابه، لكن هاهنا- لما أوهم تقديم الأغنياء على الفقراء وانكسار قلوب الفقراء، وكان ذلك مما يوهم ترجيح الدنيا على الدين- فلهذا السبب جاءت هذه المعاتبة
قال القاشاني: كان صلى الله عليه وسلم في حجر تربية ربه، لكونه حبيباً. فكلما ظهرت نفسه بصفة حجبت عنه نور الحق، عوتب وأدب. كما قال:
" أدبني ربي فأحسن تأديبي " إلى أن تخلق بأخلاقه تعالى.
فأين نحن اليوم من أخلاق من أدبه ربه ؟ واين نحن من هذا السلوك الإنساني القويم الذي يعلمه لنا القرآن الكريم؟