إن العلاقة الزوجية، مهما بدت مستقرة في ظاهرها، فهي تبنى أساسًا على ثقة متبادلة واحترام صادق، ومتى تزعزعت الثقة وحلّ مكانها الشك، انقلب البيت إلى جحيم يسوده القلق والتوتر، فتتلاشى المودة وتتراجع السعادة: قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12].
فكم من قصة سمعنا بها فيها أزواج يدمّرون حياتهم بأيديهم، كرجل يطلب من زوجته أن تحلف له بالله عند الكعبة المشرفة على براءتها، وآخر يربط باب بيته بخيط صغير ليتأكد من خروج زوجته، وأخرى تفتّش جوال زوجها يوميًا لتقرأ الرسائل الصادرة والواردة، وأخرى تشمّ ثيابه عند عودته للبيت لتتأكد من نوع العطر!، سبحان الله… كيف يهدر البشر أمن بيوتهم بهذه الوساوس والشكوك؟، فالشك يُفضي بالزوجين إلى الوسواس والدمار النفسي، ويزرع القلق والاضطراب في حياتهما، ويُبعدهما عن صفاء العلاقة ودفء المودة.
أيها الأزواج، الغيرة المحمودة شعور طبيعي يربط الزوجين، ينبع من حب الطرف الآخر والخوف على فقدانه، فيدفع إلى الإحسان والحفاظ على العلاقة، والشك شعور سيء، يولّد سلوكيات سلبية تُضر بالطرفين، وتؤدي إلى فقدان الثقة، خاصة إذا لم يكن هناك سبب واضح ومقنع، وله أسباب ظاهرة وباطنة بين الزوجين ومنها:
التجارب السابقة، سواء كانت قبل الزواج أو عند اكتشاف أمور قديمة في جوال أو بريد الطرف الآخر، فإن الماضي يلوّث التفسير ويخلق الوساوس، حتى لو تغير الواقع للأفضل.
عقدة النقص، عندما يشعر أحد الطرفين أن شريكه أجمل أو أفضل منه مكانة وثقافة، ينتابه الخوف من الفقدان، ويبحث عن دلائل وهمية على غياب الأمان.
التأثر بالميديا والعالم الافتراضي، خاصة في متابعة الفضائيات والمشاهير، أو الانغماس في تطبيقات التواصل، قد تولّد الشك دون وعي، خاصة عند مشاهدة قصص علاقات محرّمة أو سهرات ورومانسية مبالغ فيها.
ومن أجل علاج الشك وإعادة بناء الثقة، علينا بالتالي:
قطع الشك باليقين، لا تجسّس ولا تفتّش، وإذا لم يكن هناك دليل قاطع فلا تفسّر الأمور بطريقة سلبية.
تجنب المواقف المثيرة للشك، لا تفتح جوال الطرف الآخر، ولا تتتبع تصرفاته، فالأساس هو الثقة المتبادلة.
التغافل والتسامح، فالإنسان خطّاء، ومن طبيعة الحياة الزوجية التجاوز عن الزلات واحتضان المودة.
الاستعانة بالخبراء، إذا تجاوز الشك حدّه وأدى إلى إيذاء نفسي أو جسدي، فالاستشارة مع المختصين النفسيين والأسريين تساعد على تهدئة العاصفة.
إن الحياة الزوجية رحلة تتطلب صبرًا وثقة وحبًا صادقًا، فالشك هو العدو الخفي الذي يقتل السعادة بصمت، واليقين والثقة هما مفتاح الدفء والأمان، كما قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [يونس: 109]، فلنزرع بيننا الثقة، ولنجعل المودة جسراً يعبر بنا فوق أي وسواس، فالزوجان المؤمنان من يجعلان الرحمة والحب والاحترام شعار حياتهما.
التعليقات
برأيي التغافل وعدم الشك أمر صعب، خصوصاً عندما تظهر له محفزات، كأن أرى شريكتي تتعمد الابتعاد كلما تحدثت في الهاتف أو تغيرت معي بطريقة غير مبررة مثلاً وهنا أقول أن الشك يحقق أحد اليقينين أما واحد يريح القلب أو آخر ينهي العلاقة، وهذا ما أراه طبيعي، أما الخلل هو أن تكون الأمور مستقرة وليس هناك أي مبرر للشك والخلل ورغم ذلك نتزرع الشك ونخلق فرضيات تدمر علاقتنا
أوافقك الرأي قلبًا وقالبًا، ودعني أضيف أيضًا أن الشك المستمر وتقييد حركة الشريك ونصب الأفخاخ يجعل الشريك يميل للوقوع في الخطأ مع خلق طرق وأساليب متنوعة لتفادي كل الفخاخ والتحرر المتخفي من القيود المفروضة، مما يزيد الفجوة المخلوقة المغذاة من الشك حتى يتحول إلى كراهية تفتك بجدران ذلك البيت، حفظ الله بيوتنا وملئها بالدفء والحب والحنان.