استوقفني منشور على فيس بوك كتبته زميلة لي في العمل، تعتذر فيه عن استقبال أي ضيوف طوال فترة الدراسة، موضحة أنها أم لأطفال في مراحل دراسية مختلفة، ويحتاجون منها إلى كثير من التركيز والدعم والهدوء داخل المنزل. لكنها لم تغلق الباب تمامًا، بل اشترطت بلطف أن من يرغب بزيارتها، فليكن في يوم الجمعة ظهرًا فقط وقت تعلم فيه أن الجدول الدراسي متوقف، والأجواء أخف.
الغريب أن منشورها أثار ردود فعل متباينة؛ فهناك من رأى في هذا التحديد نوعًا من "قلة الذوق" أو الرسمية الزائدة بين الأصدقاء، وقالوا عبارات مثل، " ومين هيفكر يزورك أصلا بعد كلامك" و" هتندمي بعدين لما تلاقي نفسك لوحدك" بينما اعتبره آخرون قمة في التنظيم والوضوح، بل ووجدوا فيه شجاعة في قول "لا" دون إحراج.
فما رأيكم؟ هل من حق الأهل أن يحددوا مواعيد الزيارات بما يناسب ظروفهم؟ أم أن العلاقات الاجتماعية يجب أن تكون أكثر مرونة حتى خلال فترات الانشغال؟
التعليقات
الغريب أن القرآن الكريم به آيات صريحة عن الاستئذان وأنه إن لم يؤذن لنا نرجع، أي أن ذلك أمرًا إلهيًا، لكن على أرض الواقع لو قرر أحد زيارة بيت فجأة واعتذر أهل البيت هل تتخيلين ردة الفعل؟ سيتحول الأمر في الغالب لمشكلة وربما قطيعة مع تعليل ذلك بإحراج الشخص والحقيقة أنه هو أو هي من أحرجوا أنفسهم وأهل البيت بالزيارة المفاجئة، أرى أن كل شخص حر في بيته وتحديد من ومتى يزوره فإن لم يشعر الشخص بالراحة والحرية في بيته فأين سيشعر بها؟
أعتقد أن منشورها لم يكن فقط اعتراضًا على الزيارات المفاجئة، بل أوحى بأنها تفضل منع الزيارات تمامًا في هذه الفترة بسبب دراسة أبنائها، وهذا حقها طبعًا ومفهوم، لكن بصراحة لم يكن هناك داعي لنشر الأمر على فيسبوك بهذا الشكل، فالمسألة يمكن أن تُقال بلطف في محيطها الخاص دون الحاجة لإعلان عام بطابع غريب يوصل رسالة شخصية.
ربما يثثر المنشور استياء بعض معارفها، وربما فيه قليل من الوقاحة بالنسبة لثقافتنا، لكن هناك خط يجب أن يختار الإنسان فيه نفسه حتى لو أدى ذلك لقطيعة أو غضب من البعض، هذا الخط يحتاج شجاعة وتحدده الأولويات، وبعض وقت قليل ربما يقلدها من كان ينتقدها عندما يرى أنها كانت محقة.
لا أعتقد أن الأمور تُؤخذ بهذا الشكل، لأن العلاقات الإنسانية بطبيعتها تحتاج إلى شيء من المرونة واللباقة، خاصة في مجتمعات تقدر المجاملة والتواصل الودي.
صحيح أن للإنسان الحق في رسم حدوده، لكن طريقة التعبير عنها تلعب دورًا كبيرًا في تقبل الآخرين لها، فاختيار النبرة والوسيلة مهم، ومنشور علني على فيسبوك قد يُفهم على أنه نوع من الجفاء أو التقليل من قدر المحيطين، حتى وإن كان الهدف مختلفًا، وبإمكاننا أن نختار أنفسنا دون أن نخسر الآخرين، فقط لو اخترنا الطريقة بحكمة.
رأيي أن تصرفها بالغ الحكمة والاتزان، لأن إدارة الوقت والخصوصية جزء من احترام الذات واحترام الآخرين معًا. من الطبيعي أن يضع الأهل حدودًا تناسب مسؤولياتهم، خصوصًا في فترات الضغط الدراسي للأسرة. ليست المسألة قلة ذوق، بل وضوح وتنظيم يحمي العلاقة من سوء الفهم. فالزيارات حين تكون في وقت مناسب للجميع، تكون أدفأ وأكثر راحة. المرونة مطلوبة نعم، لكنها لا تعني الفوضى أو تجاهل الأولويات.
طبعاً رأيك في أهمية التنظيم والخصوصية منطقي ومحترم، لكن ألا ترى أن إعلانها للأمر على فيسبوك يناقض قليلًا هذا الاتزان؟ فلو كانت المسألة تتعلق بالخصوصية واحترام الوقت، أليس من الأجدر أن تُدار بهدوء ولباقة بين الأهل والمقربين، بدلًا من طرحها علنًا أمام الجميع؟ ما بدا تنظيمًا قد يُفهم كنوع من التوبيخ العلني أو الرسائل غير المباشرة، وهذا قد يفتح بابًا لسوء الفهم بدلًا من أن يغلقه.
طرحك منطقي يا بسمة، لكنه يفتح سؤالا آخر: هل الإعلان العلني بالضرورة يتنافى مع اللباقة؟ أحيانا تكون الكتابة العامة وسيلة لتجنب الإحراج الشخصي بدل المواجهة الفردية. المنشور في هذه الحالة يصبح إشعارا عاما لا رسالة عتاب، خصوصا في بيئة التواصل التي صارت جزءا من حياتنا اليومية.
المشكلة ليست في الإعلان نفسه، بل في نبرة الخطاب وطريقة صياغته. فلو كتب بلطف وهدوء دون نفس دفاعي أو اتهامي، يمكن أن يفهم كتنظيم وليس كتوبيخ. في النهاية، الشفافية العلنية لا تضعف الخصوصية دائما، بل قد تحميها من سوء الظن المتكرر الذي تسببه الاعتذارات الفردية المتكررة.
تكون الكتابة العامة وسيلة لتجنب الإحراج الشخصي بدل المواجهة الفردية.
لا أرى في العلن وسيلة لتجنب الإحراج، بالعكس فهو قد يسبب إحراج أكبر ويترك انطباع سيئ عن صاحبه المنشور. حتى لو كانت نيتها تنظيم وقتها أو الحفاظ على هدوء المنزل، إلا أن الطريقة التي اختارتها تمنح انطباع غير لطيف بالمره
لازم يكون في احترام وتقدير لطريقة التواصل مع الآخرين
كلامك صحيح، وهذا رأيي أيضًا، لأن العلن في مثل هذه الحالات قد يُفسر كنوع من التلميح الجماعي أو العتاب غير المباشر، مما يحرج المتلقين أكثر مما يوضح لهم.
النية قد تكون حسنة، كتنظيم الوقت أو الحفاظ على الخصوصية، لكن الأسلوب العلني يوصل رسالة سلبية حتى دون قصد، وكأن الباب يُغلق في وجه الجميع مرة واحدة.
دعنا نكون واقعيين، بصراحة لو رأيت منشوراً بهذه الطريقة من إحدى قريباتي أو صديقاتي المقربات، حتى لو كُتب بلطف وهدوء، أول ما سيخطر ببالي هو: "طيب، لن أزورها مجددًا!" 😅 ليس عن سوء نية، لكن لمجرد ألا أكون الضيفة التي أُحرجت من غير قصد.
النبرة قد تكون لطيفة، لكن العلنية تجعل الشخص يتساءل: "هل المقصود أنا؟" وهذا وحده كفيل بأن يجعلني أختار السلامة وأعتذر عن الزيارة القادمة.