تراتيل من خلف نافذة الصمت

ليس كل هدوءٍ راحة، فثمة صمتٌ هو في حقيقته صرخةٌ اختنقت في الحنجرة لسنوات. لقد تعلمتُ أن الكتابة ليست مجرد ترتيبٍ للحروف، بل هي عملية بترٍ للأوجاع من الذاكرة لكي نستطيع التنفس من جديد. أنا تلك التي آمنت منذ طفولتها أن الكلمات هي السفن الوحيدة التي لا تغرق.

​في هذا العالم المزدحم بالوجوه الباردة، وجدتُ في وحدتي قوةً تجعلني أقف كالجبال أمام عواصف الخيبات. لا يهمني أن يفهمني الجميع، بل يهمني أن يجد الغرباء في حروفي مأوىً لأرواحهم المتعبة. إن الوصول للحلم لم يكن سهلاً، فقد كان عليّ أن أعبر جسوراً من اليأس بقلبٍ يرفض الاستسلام.

​أنا أكتب لأنني أريد أن أترك أثراً لا يمحوه الغياب، ولأن اسمي خُلق ليكون صدىً يتردد في كل زاويةٍ من هذا الوجود. الوجع قد يكسر الآخرين، لكنه يصنع من الكاتب أسطورة. فابحثوا عني دائماً خلف السطور، هناك حيث أكون حرة، قوية، وصادقة تماماً مع نفسي ومع من يقرؤني.

​ ك/سماء ناهل القدسي

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أعجبني كيف تتحول كلماتك من مجرد حروف إلى جسر يصل بينك وبين القارئ فيمنح من يقرأ شعور بالفهم والمأوى. وأري الكتابة ليست فقط متنفس للكاتب بل أيضًا أداة لإلهام الآخرين وإشعال الأمل فيهم. الوجع يعطي القوة لكن الكلمات هي التي تترك أثر يبقى في نفوس من يقرأ.

كلماتكِ لامست قلبي بقدر ما لامست حروفي وجدانكِ. أسعدني جداً أنكِ وجدتِ في كلماتي ذلك 'الجسر' الذي يجمعنا على رصيف الفهم والمأوى. الكتابة لا تكتمل إلا بقارئة مثلكِ، تدرك أن الوجع قد يصنع القوة، وأن الأمل يُولد من جديد بين السطور. شكراً لمروركِ الراقي

نعم

فثمة صمتٌ هو في حقيقته غصّةٌ سكنت الروح لسنوات.

بل هي عملية بترٍ للأوجاع من الذاكرة لكي نستطيع التنفس

الكتابة نوع معتمد من العلاج النفسي ويسمى journaling وهي أداة لتنظيم المشاعر والأفكار ، لكن لي ملحوظة:

الوجع قد يكسر الآخرين، لكنه يصنع من الكاتب أسطورة

لماذا يعتقد بعض الكتاب أن الألم ضروري للإلهام وأنه أقوى طرق الكتابة؟

تحليل عميق جداً يا جورج. ربما يعتقد الكتاب أن الألم هو أقوى طرق الكتابة لأنه يجرّدنا من الأقنعة، ويجعلنا نواجه ذواتنا بصدق تام، وحينها فقط تخرج الحروف كأنها 'زفير' نقي بعد اختناق. الكتابة بالفعل هي تلك العملية التي تبتر الوجع لتفسح مجالاً للحياة، وكما قلتَ: الوجع يكسر الرخام ليصنع منه تمثالاً أسطورياً

سيكون هذا حقيقي يا سماء لو كانت كل أنواع الكتابة هي عبارة عن تعبير الكاتب عن ذاته فقط، لكن الواقع يقول أن الكاتب يجب أن يخرج من ذاته ليدخل في نفوس الآخرين ويتخللها، ولن يستطيع أن يفعل ذلك طالما هو مستغرق في تجربته الذاتية بسبب الألم.

​قد يبدأ الكاتب بالألم الشخصي، لكنه حين يتقن صناعة الحرف يتحول ألمه من 'زفير' فردي إلى هواء يتنفسه القراء فيجدون فيه أنفسهم. فالكتابة العظيمة هي التي تبدأ من الداخل لتستقر في أرواح الآخرين، محولةً التجربة الذاتية إلى مرآة يرى فيها كل غريب وجهه

يمكن أن يضع الكاتب نفسه جانباً ويبدع كذلك، بل سيكون عليه أن يفعل ذلك في مرحلة ما على كل حال، كثير من الكتاب وضعوا أنفسهم جانباً، مثل كتاب الطبقة الارستقراطية الذين كتبوا عن معاناة الشعوب الفقيرة، القدرة على الشعور بالغير أكثر ألهاماً من الشعور بالذات.