نداء لاستعادة إسلام الرحمة والاتساع

إنَّ الأمة الإسلامية اليوم تمر بمنعطف تاريخي هو الأكثر خطورة في مسيرتها الفكرية، حيث تراجعت قيم "الرحمة المهداة" أمام طغيان "لغة التبديع والتصنيف". لقد تحول الإسلام من مظلةٍ كبرى كانت تستوعب الأضداد وتجمع الشتات تحت مرجعية المذاهب الأربعة، إلى ساحة تصفية حسابات عقدية ضيقة، يُنصب فيها القريبُ قاضياً على البعيد. يكمن جوهر أزمتنا في الانتقال من "إسلام الرحمة والاتساع" الذي ساد لقرون، إلى "إسلام التبديع" الذي نشأ عن منهجيات اختزالية لمفاهيم التوحيد، مما خلق جيلاً من الشباب المغلوب على أمره، التائه بين انتماءات حزبية ضيقة تقتات على الكراهية، وبين فقدان المرجعية الأخلاقية الجامعة. إن هذه الأزمة ليست مجرد خلل فردي، بل هي أزمة مؤسسية تزامنت مع تراجع دور الحواضر العلمية العريقة، وسط سياقات جيوسياسية عالمية سعت لتمويل وتغذية هذا التطرف لتمزيق النسيج الداخلي للأمة. تتجلى أبعاد هذه الفتنة عند النظر إلى ما قبلها؛ فقد كانت الأمة على تنوعها (أشاعرة، ماتريدية، صوفية، ومذاهب فقهية) تعيش في فضاء علمي رحب. ومع أن التاريخ الإسلامي لم يخلُ من الصراعات، إلا أن المذاهب كانت المظلة التي تمنع تحول الخلاف إلى اقتتال مجتمعي دائم، مستحضرين قول الإمام الشافعي: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب". أما اليوم، فقد تمزق هذا النسيج، ودخلنا في "دائرة الفتنة المعاصرة" التي تغذيها "خوارزميات التواصل" لصناعة "غرف صدى" لا يرى فيها الشاب إلا ما يعزز تطرفه، حيث تحول بعض المنتسبين للعلم إلى "محاكم تفتيش" إلكترونية تُبديع وتُفسق كل من خالفها، حتى صار السلام على المخالف أمراً مستنكراً. إنَّ هذا التفكك ليس إلا انعكاساً لعقلية "الولاء والبراء" المشوهة، حيث صار الولاء للأشخاص وللجماعات بديلاً عن الولاء للحق، وحيث استُبدلت أخلاق النبوة بجدليات عقيمة أفرزت جيلاً يظن أن قسوته على الخلق هي قربةٌ إلى الله. إنَّ التاريخ لا يرحم أمةً انشغل أتباعها بالتنازع على الفروع، بينما تذرو الرياح أصولها ومقدساتها. إننا اليوم أمام خيارين: إما البقاء في دوائر الفتنة التي تأكل بعضها، وإما الخروج بوعيٍ متجدد يضع الأخوة الإسلامية فوق كل انتماء، لنكون جيلاً يحمل إرث الرحمة لا عبء الخصومة. ميثاق الأخلاق المحمدية: 1. قاعدة التثبت: لا أشارك منشوراً فيه طعن في مسلم لمجرد سماع طرف واحد. 2. قاعدة الاحترام: أختلف في الرأي لكن لا أهجر في السلام؛ فالسلام حق للمسلم. 3. قاعدة التواضع: أدرك أن رأيي هو "اجتهاد"، وأن الحق أوسع من فهمي المحدود. إنَّ النجاة لا تكون بالعزلة، بل في البحث عن "الصحبة النورانية"؛ دوائر صغيرة من الإخوة يجمعهم "همّ التزكية" لا "همّ التصنيف". ابحث عمن يجد في قلبه رحمةً للخلق، وفي عقله سعةً للاختلاف. إنَّ هذه الدوائر هي الحصن الذي يمدّك بالسكينة حين تضيق بك مساحات الصراع. إنَّ كل مسلم اليوم مدعوٌ ليكون حارساً لهذا السراج؛ فبصمتك عن الجدل العقيم، وبكلمتك الطيبة التي تطفئ بها نار الحقد، وبثباتك على الحق بعيداً عن تقديس الأشخاص، أنت تصنع المعجزة. إنَّ الطريق الوحيد لجمع شتات المخلصين هو العودة لراية "الرحمة المهداة" التي لا تعرف الإقصاء، ولا تُبنى إلا بقلوبٍ طاهرةٍ من التعصب، مُمتلئةٍ بحب الله ورسوله.