قفزنا من الشاحنة في مسيرها حين أبطئت أمام خلل في الطريق. إثنان كنّا نرتدي ثيابا خضراء و غامقة من شاحنة للجيش كنا قد قفزنا كانوا يأخذوننا معهم في توصيلة على نفس طريقهم. نزلنا أو سقطنا على مشارف الحيّ و بوابته التي بلت و تشققت و سقطت بعض أجزاء منها. حيّنا هو حيّ يوحي بالخطر، و حيّنا حتى الجنود يخشون أوامر أن يدخلوه و يتحاشونها و يتعللون أمامها العلل. و بيتنا أو بالأحرى مقرّنا هو غرفة واحدة إنفصلت بالتهدام عن بقية المنزل و بقية المنزل يبدو تملئه الحجارة الباردة. و باب غرفتنا الصغيرة ذات الموقد الصغير و الطنجرة و وعاء دائريّ معدنيّ عميق و صحن فخار و صحن صغير بلاستيكيّ و جرّاية سميكة و أخرى رقيقة و وسادة واحدة رطبة و متسخة، باب غرفتنا الصغيرة واطئ و منذ مدّة لم يعد يتناسب و قامتي التي ما تنفكّ تنمو شيئا فشيئا مع السنّ رغم أنه يتناسب و شقيقي الأصغر خاصة إذا ما داهمه شرّ إنس غاصب أو مغتصب أو حذاء سميك لجنديّ أحمق. قريبا عليّ إيجاد غيره و لو بإيجار هو المساعدة في إعالة صاحبه. و بعد أسبوعين وجدت واحدا فنزلنا ضيفين عند عائلة ربّها متعب دوما لديه مرض عضويّ ما. الأمّ تصنع الخبز و تبيعه و مهمتي كانت البحث الدؤوب عن الدقيق و السميد و إحضاره لها. كانت لديهما بنتان جميلتان، كلتاهما هزيلتان قبيحتان أول ما تعرفنا بهم و لكن مع الوقت و السنون التي مرّت بسرعة إزدانت الفتاتان رونقا و جمالا و إمتلئ تينك الجسدان و قد وُعدت من اليوم الأول مزاحا و جدّة بالكبرى و وُعد شقيقي الأصغر بأختها الصغرى، و لكن بعد السنوات وجدت الكبرى جالسة على هَدمٍ لدار هي و إبن عمّها و رمقتني بنظرات العُتب و الزجر و الإبعاد. أما شقيقتها الصغيرة فسقطت ضحية لمرض و حمّى متكرّرت فما كانت تفزّ نشيطة ليومين حتّى تسقط في حجر المرض كرة أخرى لمدد تطول و تقصر بين الأسبوعين و الشهور الطويلة. و ما هو دوائها؟ لم نكن نعلم دوائها و لكن كنا بفارغ الصبر و كل أملنا أنها مع الوقت و يوما ما ستقوم من مرضها تلك المرأة و تهزمه هزيمة نهائيّة شافية.
زفاف الموعود بها و إبن عمّها الأسبوع القادم.
بدأ الزفاف و لكن في منتصفه غار الجنود علينا. أخذوها هي و زوجها و أخذوا آخرين. و أنا كنت من بين الذين يقبعون قرب المنافذ و المخارج الضيّقة و شبه مستحيل أن يُقبض على مثلي إلا ربما عن سوء حظّ و طالع أو بخطّة محكمة ترصدني أنا شخصيّا. و لكن ما ذا يعرفني إسما و إشارة؟ أنا واحد آخر من بين كثيرين لا أتميّز بينهم لا فعلا و لا قولا.
والدها طريح الفراش، بُترت ساقه بسبب المرض، ساقه التي هو منذ عرفته و قبل ذلك هو أصلا في غنى عنها. و الأمّ واصلت صنع الخبز و أصبحت أنا من أبيعه لها، و بيعه ليس سهلا، أقصد أنّ البيع و لو كان بيع رغيف خبز لحسم المنافسة يتطلب موهبة و معرفة و خبرة. كنت أعرف كيف أتحرّك و كانت نبرة صوتي مقصودة، كنت كممثّل بارع يدفع لي المشتري القطعة النقدية قبل أن يعرف أنني بعته الأرغفة. و لم يتوقّف العالم عن ضربي بسياط حديديّة، إنسى الحرب و إنسى الفقر و الصقيع و الجوع، سياط حديديّة من نوع آخر، بعضها إسمه الوحدة القاتلة و بعضها إسمه الصمت البارد و بعضها إسمه الفراغ الذي يتعفن فيه القلب و الجسد تعفّنا ليس مرئيّا. ما جعلني مع الوقت خبيرا بهذه الأمور و كنت أمرّ بين أبناء شعبي أهوّن على كل واحد منهم المصيبة، كل واحد بالكلمات التي يحتاج أن يسمعها، صرت أمشي أحمل الدواء في وترات حنجرتي إلى اليوم الذي يحضنه فيه صدر السماء و ذراعيها.
لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش