في زاويةٍ من زوايا السوق، حيث تختلط أصوات الباعة برائحة التوابل ونكهة الخبز الطازج، يجلس ذلك الرجل العجوز بعيدًا، صامتًا. خطوط جبينه تحكي سنواتٍ طويلة، كأن كل تجعيدة في وجهه قصة لم تُروَ. لا يتحدث إلى أحد، ولا ينتظر كلامًا من أحد. نظراته ثاقبة، حادة كعدسة كاميرا ثلاثية الأبعاد، ترى كل شيء ولا تفوت شيئًا. لكنه لا يبتسم، ولا يلتفت مهما ارتفعت أصوات المساومات أو ضحكات الأطفال المتناثرة في الهواء.
يأتي كل يوم بعد صلاة العصر بخمس عشرة دقيقة، فيستقرُّ على مقعد خشبي قديم بجوار جدار متصدع. ملابسه، رغم قِدَمِها، نظيفة وأنيقة، وشعره وذقنه مرتبان بعناية. عيناه محاطتان بسواد غائر، وأنفه الكبير، الذي بدأت السنون تنحته وتجعله منحنيًا، يضفي على ملامحه هيبة صامتة. يداه، ممتلئتان بالعروق ومترهلتان، تحكيان عمرًا من الكفاح والصبر. حتى شعر ذراعيه بدأ يتلاشى، كأن الزمن يمحو آخر آثار شبابه.
لم أسمعه يتكلم قط. لكن ذات يوم، حين كنت أراقبه من بعيد، لاحظت عينيه تدمعان بصمت، دون سبب واضح. سألت رجلًا يقف بجانبي: «ما به؟»، أجاب بلامبالاة: «هكذا دائمًا، ربما لديه حساسية». هززتُ رأسي وقلت في نفسي: «لا، هذه دموع مؤجلة. دموع أُجِّلت لسنوات، حُبست في قاع روحه، والآن تجد طريقها للخروج، كأنها تُوفِّي دينًا قديمًا لم يُسدد في حياته».
في زاويةٍ من زوايا السوق يجلس ذلك الرجل العجوز بعيدًا صامتًا
لأكثر من شهر، راقبته من بعيد، مفتونًا بغموضه. كل يوم يجلس في نفس المكان، بنفس الهيئة، كأن الزمن تجمد عنده. فضولي دفعني أخيرًا للاقتراب؛ ربما لأنني شعرت أن وراء صمته قصة تستحق أن تُسمع، أو ربما لأن دموعه المؤجلة لامست شيئًا في قلبي، ألمًا قديمًا أعرفه. تقدمت نحوه، خطواتي ثقيلة كأنني أحمل سؤالًا لم أجد له صيغة بعد. قلت: «السلام عليكم، كيف حالك يا عم؟».
نظر إليَّ بنظرة متفحصة، كأنه يقرأ أفكاري. رفع زاوية فمه قليلًا، كأن ابتسامته تتذكر شيئًا بعيدًا، لكنه لم يرد. وحين كنت أنتظر، مرَّ بائع متجول ينادي على بضاعته، لكن «العم الصامت» لم يلتفت. أعدت السؤال: «كيف حالك؟». أمال رأسه قليلًا، ولاحظت دمعة خفيفة تترقرق في عينيه، كأنها امتداد لدموعه المؤجلة. ثم شرد ببصره بعيدًا، كأنه غادر المكان بروحه، تاركًا جسده على المقعد الخشبي.
حاولت مجددًا: «عرفتني؟». ضغط على شفتيه قليلًا، وابتسم ابتسامة خافتة، لكن صمته ظل حاجزًا بيننا. أخرج ساعة جيب قديمة، نظر إليها، وبدا كأنه يستعجل الوقت. كان لا يزال أمامه ربع ساعة قبل موعده المعتاد. قلت مازحًا: «أزعجك وجودي؟»، لكنه شرد بعيدًا، كأن ذهنه يطحن ذكريات سنوات مضت. أخرج الساعة مرة أخرى، ثم قام فجأة، رغم أن الوقت لم يحن. وقف بعيدًا، منتظرًا موعده، ثم غادر دون كلمة، كأن دموعه المؤجلة هي اللغة الوحيدة التي يتحدث بها.
أشعل هذا الصمت فضولي أكثر. ألغيت موعدًا كان لدي، وقررت أن أعرف شيئًا عنه. اقتربت من رجل مسن آخر يُدعى «العم صالح» يجلس في السوق، وسألته: «من هذا الرجل؟». أجاب: «لا أعلم عنه شيئًا، مثلك، أراه من بعيد». أصررتُ: «لست أسأل عنه الآن، كلنا نعرفه هنا. أسأل عن ماضيه، مَن كان وأين كان؟».
تنهد العم صالح، ونفث زفرةً كأنها غبار السنين، وقال بصوتٍ واهن:
«هذا بقايا عائلةٍ دفنها عقوق الابن وقسوة الأب يا ولدي.. يُدعى مبروك. يقولون إن الأرض نفته لأن والده تنكر لها يومًا، فدفع الابنُ ثمن غربة الأب. غاب خلف جدران السجن صبيًا، وعاد إلينا غريبًا بوجهٍ نحته الانتظار. خمسة وثلاثون عامًا ضاعت من عمره في عتمة الزنازين، ليعود ويجد أن الموت قد سبقه إلى الجميع. لم يتركوا له أخًا يعانقه، ولا أختًا تشد أزره.. تركوا له فقط بيت جده القديم؛ ذلك الجد القاسي على ابنه العاق، وذاكرةً مثقوبة، وجلسةً يطاردها كل يوم في هذا السوق، عسى أن يمرَّ بها وجهٌ يعرفه.. لكن الوجوه غادرت، ولم يبقَ إلا الصمت».
غادرت السوق تلك الليلة وأنا أحمل ثقل قصة مبروك. دموعه المؤجلة لم تفارق خيالي، كأنها مرآة تعكس أوجاعًا لا تُرى إلا في زوايا الأسواق وقلوب المنسيين. ربما كان صمته درعًا يحميه من عالمٍ خانه مرات عديدة، أو ربما كانت دموعه لغةً لم يتقنها إلا بعد أن أنهكه الزمن. لا أعرف إن كنت سأحاول الاقتراب منه مجددًا، لكنني أعرف أن دموعه المؤجلة ستظل عالقة في ذهني، كتذكير بأن بعض الجروح لا تُشفى، بل تُروى بدمع مؤجل.
في اليوم التالي، عُدتُ إلى السوق. كان المقعد هناك، والجدار المتصدع مكانه، والناس يساومون على الخبز والملح بصراخهم المعتاد. مبروك وحده لم يأتِ. نظرتُ إلى مكانه الخالي، فأدركتُ أن موعده لم يكن معنا، ولا مع أخيه الغائب؛ كان موعده مع تلك الدمعة التي نضجت أخيرًا وسقطت، لتعلن أن الدَّين قد سُدِّد، وأن مبروك قد استعاد صمته كاملًا، وغادر عالمًا لم يكن يتسع لغير آثام الآباء وانكسار الأبناء.