عاشت مئة عام، وماتت في ليلة،
كأنها لم تُخلق أبدًا.
كأن القرن كله لم يكن إلا وهمًا طويلًا،
مسرحية سخيفة كتبها الزمن ثم ملَّها ومزَّق الصفحات.
قرنٌ كامل مرّ فوقها،
ثم انطفأ بهدوء،
كأن الكون نفسه لم يجد فيها ما يستحق أن يُحفظ.
عاشت هذه المئة عامًا مجردةً من كل شيء،
مزدحمةً بكل شيء،
وتبيّن في النهاية أن الفرق بين المجد والفراغ كان وهمًا واحدًا.
تزوجت وهي طفلة،
بالكاد تعرف كيف تخاف من الظلام.
ثم ترمّلت وهي شابة،
فعرفت أن الظلام الحقيقي ليس غياب الضوء،
بل اكتشاف أن لا أحد ينتظر في النهاية،
وأن كل الأصوات التي تملأ البيت ستذوب في الصمت نفسه.
كدحت، وعملت، وتعبت،
وربّت ثلاثة أطفال.
كانت تظن أن العمر سيكبر بهم،
وأنها ستنحني ببطءٍ بينما يقفون هم مستقيمين أمامها.
لكن الحياة كانت تعيد ترتيب المشهد كل مرة
بطريقة أكثر عبثًا وقسوة،
كأنها تذكّرها أن لا شيء يبنى ليبقى.
رحلت الصغرى أولًا.
شابة، قبل أن يثبت اسمها في ذاكرة العمر.
سرطانٌ مبكر، أتى كحكمٍ لا تفسير له،
لأن الكون لا يحتاج إلى تفسير ليأخذ ما يشاء.
ثم ابنها الوحيد.
أكلت الغرغرينا أطرافه وهو حي،
كأن الموت يملّ من السرعة في بعض الأحيان،
فيمنح الإنسان وقتًا إضافيًا ليدرك عبثية الألم.
مات في قريته في اليمن،
بعيدًا عن كل شيء،
كما لو أن الأرض كلها كانت مجرد مكان مؤقت للاختفاء.
ثم البنت الوسطى.
خطفها الموت في لمحة بصر،
وكأن الدور جاء عليها بلا سبب،
لأن الأسباب في هذا العالم وهم آخر.
لم تكن هناك مقبرة واحدة تضمهم.
الهند، والأردن، واليمن…
ثلاث قبور متناثرة في كوكب لا يبالي.
تفرّقوا في الأرض،
وبقيت هي في منتصف الفراغ،
تدرك أن الفراغ هو الحقيقة الوحيدة.
ومع ذلك لم ينتهِ الفقد.
رحلت أخواتها، واحدة بعد أخرى،
فسقطت مع كل واحدة قطعة من طفولتها،
حتى صارت الذاكرة نفسها فارغة،
كأن لا شيء كان يستحق أن يُحفظ أصلًا.
كبر أحفادها حولها.
كانت تراهم يتكاثرون،
وتضحك قليلًا ثم تتراجع،
لأنها عرفت أن الحياة مجرد تكرار للعبة لا يفوز فيها أحد.
في آخر عمرها تغيّر صوتها.
لم تعد تسأل عن أحد.
كانت تقول لهم بهدوءٍ ثقيل،
كأنها تتحدث من قاع الوجود نفسه:
«لا تخبروني بموت أحد… خلاص، اكتفيت.»
لم تكن غضبًا،
بل استسلامًا عميقًا لفكرة أن كل اسم جديد سيذوب في العدم،
وأن القلب لم يعد يحتمل حتى وهم الحزن.
كانت تعيش ما تبقى من عمرها
كمن ينتظر نهاية يعرف أنها قادمة،
ولا يوجد فيها أي معنى،
لا قبلها ولا بعدها.
الأيام تمرّ، والوجوه تتبدل،
وهي تنكمش أكثر داخل صمتها،
تدرك أن كل ما عاشته كان مجرد تمرين على الغياب.
حتى أتمّت مئة عام.
ثم، في ليلة هادئة، انطفأت.
بلا ضجيج، بلا وصية، بلا دهشة.
رحلت كما عاشت أخيرًا: بهدوءٍ ثقيل،
كأنها أخيرًا فهمت أن كل شيء كان عبثًا.
كأن قرنًا كاملًا من الفقر، والتعب، والولادة، والموت،
لم يكن سوى موجة صغيرة في بحر من العدم،
ترك وراءه كرسيًا فارغًا،
وامرأة عبرت الحياة كلها،
ثم اختفت…
كأنها لم تكن.
**وبقي الكرسي فارغًا.**
وبقي العالم يدور،
كأن شيئًا لم يحدث.