ذئب في الورقة

_______

(فيلا عاصم بيه – صباح اليوم التالي)

جلس ظافر تحت شجرة الجاكرندا في الحديقة الخلفية، مكانه المفضل للتفكير والهروب المؤقت من ضجيج القصر.

أنامله تعبث بجرح حاجبه، وكأن الألم يساعده على استعادة يقظته.

اقترب أحد الخدم، وضع ظرفًا صغيرًا على الطاولة وقال:

- "هذا وُجد عند البوابة… لا يحمل اسمًا ولا ختمًا."

رفع ظافر الظرف ببطء، فتحه بحذر، فوجد داخله ورقة مطوية بعناية.

فتحها… لم يجد اسم مرسل، ولا تاريخ، ولا أي شيء واضح.

فقط كلمة واحدة في المنتصف، مكتوبة بخطٍ داكن:

"الذئب."

حدّق فيها، عقله جمد، لكنه فجأة تذكّر...

---

(عوده بالزمن – قبل ٥ سنوات)

كان جالسًا مع عمّه عادل في زاوية الفيلا القديمة، يتحدثان عن الأسرار وكيفية النجاة إن حدث ما لا يُتوقّع.

قال عادل وهو يربت على رأسه:

- "لو يوم وجدت مني رسالة بكلمة الذئب… حينها إعلم إن الخطر حول رقبتك."

سأله ظافر بدهشة:

- "لم الذئب و لم ليس مثلاً نسر أو أسد؟"

ابتسم عادل، وقال بعينين ثابتتين:

- "لأن الذئب يتحرك فقط حينما يتأكد… من ثباته أمام فريسته و لن تلمحه إذا أبدا."

---

قلب ظافر الورقة ببطء… فظهرت جملة صغيرة في أسفلها:

- "الهرب لم يعُد خيارًا…

إنه النجاة الوحيدة.

احذر مَن حولك… خاصةً أميراس."

أغلق الورقة بقوة، وضغط عليها في راحة يده.

رفع عينيه…

رآها هناك، في الشرفة، تمسح شعرها من أثر الاستحمام، تبتسم له بهدوء، كأن شيئًا لم يحدث.

لكن شيئًا تغيّر داخله…

- "الذئب… لا يُهاجم إلا حينما يؤذى."

____

لم تكن الليالي كما كانت.

منذ أن استقبل الظرفَ المكتوب فيه "الذئب"، تغيّر كل شيء.

لم يعد ظافر ينام كثيرًا، ولم يعد ينتظر الحب كمن ينتظر وعدًا…

بل كمن يستعد للخيبة.

استأذن والده في تحويل المخزن الصغير في نهاية الحديقة إلى "مكان للهدوء"، ووافق الأب بسخرية، غير مدركٍ أنه وهب ابنه زنزانة تُصنع فيها النجاة.

--

ظافر يرفع الأثقال القديمة بيده اليمنى، والعرق ينساب من جبينه…

يضرب كيس ملاكمة محشو بالرمل… قبضته دامية، لكنه لا يتوقف.

يفتح كتابًا مهترئًا عن تشريح الإنسان، يقرأ باهتمام…

يتعلم كيف يُسقط الخصم، كيف يُمسك السلاح، كيف يخفي نفسه حتى في النور.

---

في منتصف الليل

يقف أمام المرآة، ينظر إلى نفسه...

عيناه لم تعُد بريئتين.

حاجبه المخيط لا زال يظهر، لكنه الآن علامة "نجاة"، لا "هزيمة".

يمسك الورقة التي كتب فيها خطته:

"الدليل.

النجاة.

الحساب."

ثم يطويها، ويضعها تحت لوح خشبي في أرضية الحديقه.

- "أنا لم أعد نفس الشخص."