رساله مخفيه
______
خلال السنوات الماضيه كان ظافر يدخل السندره للهلو مع أميراس حتى يحين موعد الغداء.
ما أنساه رسالة والدته ريحانه هانم…
في الليل..
صراخ صرصور طائر و صوت وريقات الشجر تتحرك مع الرياح و صوت مفضلات باب ظافر الذي يُفتح العازم على قراءة رسالة والدته بهدوء بعيداً عن أنظار ذئاب الفيلا..
ما أن وصل السندره بعد صراع عدم إصدار صوت من الأرضيات الخشبيه، أسند ظهره للحائط ليستريح من مشقة الإختباء، سحب ركبته اليسرى عليه و فتح الورقه…
وجد.. الآيه "و أنا اخترتُك فاستمع لما يوحى"...
-لم قد تضع أُمي تلك الآيه بيدها! (و هو مقطب بين جبينه تعجُباً) أعلم جيدا حرصها لي على حفظ سورة طه، لكن لِم تكتُب تِلك الآيه بالتحديد
و ظل يتفحص الورقه من الأمام و الخلف أو لربما الورقه تحوي بينها شيئاً مخفي؛ و لكن لا إنها ورقه واحده فقط و بها الآيه..
و هو يبحث بعينه حول نفسه متسائلاً حتى ما وقعت عينيه على المكتبه الخشبيه المحفور على أحد أبوابها" استمع " و الأُخرى" يوحى"
قفز من مكانه و بدأ يستشعر الكلمات المحفوره و ينطقها بهدوء..
-اس ت م ع ، ي و ح ى..
لربما هناك شيء مخفي بأبواب المكتبه لكم الباب بيداه الصغيرتين عده مرات حتى نزفت من مفاصلها الدماء، انفلق الباب لكن أيهم لم يحوِ شئ
-إهدأ يا ظافر.. إهدأ (ظل يزفر و يشهق الهواء من حوله)
-ماذا إن وُجد قرص به عنوانه "لِما" (تسائل و كأن شعله أضاءت فوقه للحظه)
بعثر الأقراص و فتش بداخلها و خلفها حتى وجد قرص كبير على غلافه "لِما"
اندفع للجرامافون و هو يبتسم و يتعثر بقدميه مِن الفضول ماذا قد يوجد بالداخل، سجلت انا و امي العديد على جهاز الفونيك و لكن لم ألحظ ذلك القرص مِن قبل
…
وضع ظافر القرص المكتوب عليه الآيه كامله "و أنا اخترتك فاستمع لما يوحى" بسرعه لجهاز الجرامافون و الإبره باليد و أدار اليد الأخرى….
…
(ولدي ظافر كنت أعلم يقيناً بإمكان الإعتماد عليك.. أنا سعيده الآن أنك استطعت فك اللغز..
إن كنت تسمع صوتي الآن فأنا إذا لم استطع الهروب سأكون ميته..
ستجد مستندات تدين عاصم ، حبيبي أنا لم أخُنه يوماً و لم أنو.. على الرغم من خيانته المتكرره لي..
نفس طويل…
هذه العائله تقتل من يعلم الحقيقه.. و تذكر ولدي ظافر دائماً قول الله عز و جل من كان يريد العزه فللّه العزه جميعاً
كن خادم الجميع و احتفظ بكرامتك و لكن إياك التكبر والغرور.. أنت لست مثله يا صغيري و أعلم أنك لن تكون)
..
في صمت كاد يخرق صدر ظافر و إذ بصوت والدته ينبعث بحنانها المُعتاد لم يكن يعلم أعليه أن يضحك أم يبكي أم يجري ليخبر أميراس بما وجد؟!
في كل كلمه كانت تقولها ريحانه كان يفتح عيناه من الصدمه , حتى وصل لذكرها الخيانه..
ظل يضرب بيده على وجهه و صدره بقوه لكمات كادت تفقده وعيه و هو يصرخ و يبكي من ندمه على إتهامها
كونه سَلم لحديث الجميع عن كون أمه خائنه ..
و بكاءاً على فقدانها و بكاءاً على وحشتها..
حتى انتهى التسجيل كان ظافر على الأرض مغشى عليه , تكاد تشعر بحريق صدره كان العاديات التي يحترق صدرُها من الركض.
تستطيع تستشعر حرارة النيران الموقده في صدره
سقط على وجهه ساجداً باكياً كان على الرغم من عمره السابع عشر إلا أنك تراه أمامك طفل رضيع يبكي يحتاج لحُضن والدته ينتشله من ذلك العالم الموحش الذي وجد نفسه بداخله فجأه وحيداً
سقط على جنبه و ركبتيه تحتضن صدره ظل يبكي حتى أُغشي عليه
لم يستيقظ إلا باليوم التالي ..
----
استيقظ ظافر في اليوم التالي على صوت طرقات ناعمة على الباب، لم يدرِ كم مرّ من الوقت ، شعر بجسده مُثقل كأن كل خلية فيه بكت معه الليلة الماضية.
فتح عينيه ببطء ، والجهاز لا يزال يعمل ، والإبرة تدور في اللا شيء ، كأن الزمن عالق على ألم واحد لا ينتهي.
نهض بتثاقل ومسح وجهه من دموع جفّت على خده ، ونفض الغبار عن نفسه ، رأى بجانبه القرص الذي حمل صوت أمه... كأنها كانت هناك ، تجلس إلى جواره ، تحنو عليه كعادتها ، وتغرس فيه وصاياها كمن يزرع شجرة في صحراء.
فتح الباب فإذا بـ أميراس تقف بقلق واضح في عينيها.
قالت بصوت خافت:
- "طرقت الباب مرارًا... سمعتُ صوتًا غريبًا ليلًا... هل أنت بخير؟"
لم يُجِب، نظر إليها طويلاً، ثم أفسح لها المجال لتدخل.
أشارت إلى جهاز الجرامافون وسألت:
- "ماذا يحدث؟ أكان... تسجيلًا؟"
أومأ برأسه ، وجلس على الأرض حيث كان.
قال بصوت منهك:
- "إنه صوت أمي... تركت لي هذا التسجيل، كانت تعلم أنها قد تموت."
صمت قليلًا، ثم تابع:
- "قالت لي كل شيء... عن والدي... عن خيانته... عن من قتل، ومن صمت، ومن زور الحقيقة. لكنها أوصتني... ألا أكون مثلهم."
جلست أميراس أمامه ، بعينين ممتلئتين بالدهشة والارتباك، ثم قالت برقة:
"وماذا تنوي أن تفعل بتلك المستندات ؟"
نظر إليها بعينين متسعتين كأنهما عادتا من بُعد لا يُقاس ، وقال:
-"سأبدأ من جديد... سأكشف الحقيقة ، ورقةً بعد ورقة. سأفضح من ظن أن الصمت نجاة ،
حتى و إن كان عزيز..
من لبس قناع الطُهر وهو غارق في الوحل.
لكنني... لن أتلوث مثلهم."
وضعت يدها برفق على كتفه، وقالت:
- "أنا معك... إن احتجتني، حتى وإن لم تفهمني... حتى إن كنت جزءًا من صورة آلمتك."
التفت إليها فجأة، كأن نغمة في صوتها أيقظت شيئًا خامدًا في داخله.
حدّق في عينيها طويلًا ثم قال ببطء:
- "أكنتِ تعلمين؟"
نظرت هي الأخيره في عينيه المتورمتان من بكاء الأمس :
-"دعك من ذلك الآن ستعلم كُل شئ في وقته
نظر بغضب إليها لم تعهده منه و تمسك بكلتا كتفيها بشده و كأنه يخاف علي مُجرم من الهرب
صاحت أميراس :
-" دعني ظافر إنك تؤلمني بشده "
تنبه ظافر لما فعله فور ما سحب يديه عنها حتى وجد علامات يديه منقوشه باللون الأحمر عليهما .
انطلقت للخروج من السندره و هي تبكي مُندفعه كالسهم , و تركت ظافر الواقف مع وقوف الزمن من حوله ع ند كلمات والدته و كأنه لا يريد للزمن أن يمُر لحظه