الجزء الأول : يوم هادئ / احداث غير متوقعة
(الوجوه شيفرة سرية والعيون رمز التشفير )
في أحد شوارع أميركا تحديداً مقهى (pro&sis)، يجلس آسر أمام حاسوبه. يحرك يداه بحركات متتالية ومدروسة وكأنه رجل آلي ، يرفع السيجارة وينزلها من وإلى فمه بيده اليسرى، أما اليمنى فلا تنفكّ عن لوحة المفاتيح إلا إذا احتاج إلى استخدام الفأرة. وبحركة انتقالية سريعة، يعود إلى المفاتيح ويكمل طباعة أرقامه ورموزه التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياته.
عيناه العسليتان تزدادان بريقًا كلما شعر برغبة في الخروج من انغماسه العميق. يرفع رأسه قليلًا، يتأكد أن النهار لم يزل بعد، وأن الشمس لا تزال تعانق سماء سان فرانسيسكو – وادي السيليكون، المدينة الأفضل للتكنولوجيا والبرمجة، والألمع في جامعاتها وشركاتها الكبرى مثل غوغل وغيرها.
في جو المكان ، تختلط اصوات قهقهة من إحدى الطاولات ، وهمسات الحوار من أخرى ، وأصوات نقاشات حادة حول من يعملون على شكل مجموعات ، لتقطع كل ذلك بين الحين والآخر صوت ماكينة طحن القهوة بصوتها المميز. تتداخل نغمة هادئة ورقيقة كانت من اختيار الباريستا. أغلب من يعملون في المقاهي لا يهتمون بالموسيقى، لكن خالد لا يشعر بمتعة العمل دونها.
يتحرك معها وهو يرسم على كوب الإسبريسو، فتسقط قطرات الحليب المبخر بانسيابية، وكأنه فنان يرسم لوحته الخاصة. يتموّج مع أنغام الموسيقى ذات الطابع الأجنبي، بينما يتمتم بكلمات أغاني ام كلثوم ومحمد عبده وغيرهم من الفنانين العرب. تتداخل الكلمات العربية مع الموسيقى الغربية، ومع رائحة القهوة الطازجة، لتصنع لحظة فريدة يشعر فيها خالد أن القهوة كالمشاعر: لا يجب أن تبرد، ولا تُترك على رفّ النسيان، فإن تركت كوبك ليبرد بردت نكهته ولم ولن تعد كما كانت ابدا
...أما ما يجعل للمكان دفئًا خاصًا، فهي مخبوزات لمى؛ تلك القطع الذهبية الطازجة التي تعبق برائحة الزبدة والفانيليا، تُقدَّم دائمًا دافئة، وكأنها خرجت للتو من حضن الفرن، تذوب في الفم وتُكمل لوحة الدفء التي يرسمها هذا المقهى.
بهذا كله، يصبح المقهى المكان الذي يقصده آسر وأسيل مرارًا، يجدان فيه راحة غامضة، وبيئة مثالية للغوص في عوالم عملهما وشغفهما.
يتذوق آسر كوب قهوته، لكن سرعان ما تظهر على ملامحه علامات عدم الرضى. يتجه نحو الزاوية التي يعمل فيها خالد، يبحث بعينيه عن ملامحه. مرت ساعتان منذ أن احظر آسر كوب القهوة ، فشعر بأنه ربما نسي شكله، فهو اعتاد أن يشرب قهوته بعدما تبرد قليلاً. بدأ يسترجع الملامح: شاب طويل، بنيته الجسدية متناسقة، عيناه بنيّتان مثل لون القهوة تمامًا، شعره الكثيف المموّج بانضباط، وبشرته الحنطية الدافئة التي تضيف لملامحه سُمرة خفيفة تزيده جاذبية.
ها هو… رآه أخيرًا.
بدأ آسر يمرّ بين الطاولات بخطوات هادئة، وفي يده كوب القهوة. كانت الموسيقى لا تزال تنساب في الخلفية، وخالد غارق في تفاصيل كوب جديد يرسم عليه طبقة ناعمة من الحليب، وكأنها لوحة مصغرة.
اقترب آسر من خالد، رفع الكوب ونظر إليه بنفَس خفيف، ثم قال من بين أسنانه، وكأنه يحدّث نفسه:
"سلامات، حاطّين سكر… وأنا قايل مليون مرة ما بدي سكر."
حاول أن يلفت انتباه خالد بنبرة خفيفة، لكن خالد لم ينتبه. عيناه معلّقتان بكوب الزبونة أمامه، وذهنه غارق في اللحن ، وكأن لا أحد موجود حوله.
انتظر آسر لحظة، ثم، وبدون أي انفعال، مدّ يده نحو الجهاز الصغير خلف الكاونتر، وأوقف الموسيقى.
لحظة صمت.
ثم بخطوة هادئة، وضع كوب القهوة على الطاولة، وأخرج سيجارته المشتعلة من بين شفتيه. وبنوع من اللامبالاة المقصودة، ضغطها على سطح الطاولة التي يعمل عليها خالد، بين دفاتر ملاحظاته وكروته الصغيرة، تاركًا خلفه رمادًا ورائحة خفيفة من الدخان المحترق. ثم قال مع ابتسامة خفيفة بانت معها غمازته على وجهه النحيف :
" والحين تقدر تسمعني ...... منت بمشغول صح ؟ "
رفع خالد عينيه ببطء، كأنه أُجبر على قطع انسجامه. تطلع بحدة إلى آسر، ونظرته تحكي أكثر مما قاله. ثم، بصوته المنخفض، لكنه واضح وبلهجته المصرية الصريحة، قال:
"انت قد الحركة دي؟ "
وبحركة سريعة من خالد ....
يتبع .....
التعليقات