تهوّر وجائزة نوبل: قصّة اكتشاف سبب القرحة

  • HamzaSalim

عُلِّم طُلّاب الطب، ولعقود عديدة، أنَّ القرحات المعدية والمعوية يسبّبها القلق والتوتّر، وزيادة الضغوطات التي تبعث على زيادة الحامضية الموجودة في المعدة، فتفوق تلك المادة الأكّالة طاقة خلايا المعدة على تنظيم الحامضية، فتثقبها وتكوِّن فيها جروحًا تشبه القروح.

ولعقود عديدة، كان العلاج الذي يُعطى لمرضى قرحة المعدة هو دواء يخفِّض الحامضيةوالهستامين، وتُجرى أحيانًا عملية لقطع العصب التائه vagus nerve الذي عندما يزوِّد المعدة بتفرّعاته يزيد من قابليتها على انتاج هذا الحامض، في بعض الأحيان كانت تُجرى عمليات لأزالة أجزاء من المعدة فقط لأنّها تقرَّحت وبعض الأدوية ليست فعّالة في العلاج.

مقيم أسترالي في أحد المستشفيات، الطبيب باري جيمس مارشال، كان يفحص جزء من نسيج معدة مُستأصلة تحت المجهر، رأى أنَّ هذه القروح تستعمرها بكتريا الملوية البوابية (Helicobacter Pylori)، وتسائل عن علاقة تلك البكتريا بالقروح، وحين اقترح ذلك على الأطبّاء الآخرين، قالوا له: مستحيل! القُرحة تنتج من اضطرابات القلق والتوتّر، ما تراه هو التهاب ثانوي، واستطيان البكتريا إنّما تمّ لأنَّ النسيج قد فسد أصلًا بفعل القروح، أنت ترى نتيجة لا سببًا!

«كان الجميع يقفون ضدي، ولكني كنت أعرف أنني على صواب»

لحسن حظّ الطب أنّ مارشال لم يقتنع بما أخبره الأطبّاء، وحاول تحدِّي تلك النظرة السائدة عن قروح المعدة، في البداية حاول ايجاد علاقة بين القروح والبكتريا، وقد جمع كمًا من البيانات، لكنّ الأمر لم يُقنع زملاؤه أيضًا، وتمسّكوا بنفس سببهم القديم.

حاول مارشال أن يزرع هذه البكتريا في بعض الخنازير لاثبات هذه العلاقة، لكنّه لم ينجح، فشمَّر عن ساعديه وقام أحد أجرأ التجارب في الطبّ الحديث، لقد ابتلع مُستعمرة من بكتريا الملوية البوابية، ثمَّ أجرى على نفسه فحصًا بالمنظار بعد أسابيع، ليجد أنّ معدته قد مُلئَت بالقروح، وغزت نتائج هذه التجربة الأوراق البحثية الطبيّة.

أجرى مارشال بعد ذلك دراسة أخرى، وأثبت أنّ مرضى قرحة المعدة الذين عُولجوا بمضادات حيوية، كانوا أكثر استجابة للشفاء ممّن عولجوا بمضادات الحموضة فقط، وأصبح هذا العلاج هو السائد حتّى اليوم لمرضى القرحة.

باري مارشال حصل على جائزة نوبل بعد هذا الاكتشاف، وهو حيّ يُرزق ويغرِّد على تويتر، وله "بايو" أكثر تشوقيًا من البايو الذي على حسابي، ويضع صورة يشرب فيها عصيرًا مُنعشًا، وكأنّه يُريد أن ينقل شعور ابتلاع مستعمرة البكتريا لمن يبحثون عنه

هذا المقال يأتي ضمن سلسلة من المقالات التي تشدّد على أهميّة المُلاحظة، وتوصل فكرة أنّ الاكتشافات العظيمة لا تحتاج ضرورة إلى مُعدّات متطوّرة، إنما هو بعض الفضول!

اقرا أيضًا قصّة لغالليلو ولعالم الأحياء لويس أغاسيز

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

المرض الشائع، الأسباب الرئيسية لقرحة المعدة هي جرثومة المعدة بالتأكيد، لكن هناك حالات كثيرة تصاب بالجرثومة ولا تصاب بقرحة المعدة، بجانب استخدام المسكنات مع وجود عوامل محفزة مثل التدخين وتناول الكحوليات، أما القلق والضغط العصبي لا يسببوا أي قرح لكن يكونوا سببا في سوء الحالة إن كانت مصابة بالفعل.

أما عن فن الملاحظة فأفضل ما قيل فيها كتاب فن الملاحظة لروب والكر، فهو يجعلنا نعيد النظر بأنفسنا وفيما حولنا ولا نرى الأمور وكأنها أشياء مسلم بها، وهذا الكتاب يشير أهمية الانتباه، ربما الانتباه هنا أدق من الفضول.

لكن هناك حالات كثيرة تصاب بالجرثومة ولا تصاب بقرحة المعدة

فعلاً نورا، هي أصلًا تستوطن جسم الأنسان بقدر ولا تسبب له الأضرار، لكن زيادتها هو الذي يؤدي إلى ذلك، خصوصًا وأنّها تستطيع مقاومة حامضية المعدة.

أما عن فن الملاحظة فأفضل ما قيل فيها كتاب فن الملاحظة لروب والكر، فهو يجعلنا نعيد النظر بأنفسنا وفيما حولنا ولا نرى الأمور وكأنها أشياء مسلم بها، وهذا الكتاب يشير أهمية الانتباه، ربما الانتباه هنا أدق من الفضول.

سيكون كتابًا جديدًا يُضاف على قائمة القراءة :)

مجهول أضف ردا
أجرى مارشال بعد ذلك دراسة أخرى، وأثبت أنّ مرضى قرحة المعدة الذين عُولجوا بمضادات حيوية، كانوا أكثر استجابة للشفاء ممّن عولجوا بمضادات الحموضة فقط، وأصبح هذا العلاج هو السائد حتّى اليوم لمرضى القرحة.

عندما حدث لي مشاكل في المعدة منذ فترة وزاد حدتها قبل اسبوع، كنت أحصل على مضادات للحموضة، ولكن الآن عندما تم تشخيص مشكلتي ومعرفة ما هي المشكلة بشكل دقيق تم وصف لي مضادات حيوي مثل أموكسيكير و ليفوفلوكساسين إلى جانب أدوية للمعدة قبل الأكل إيزوميبرازول وبيزماترول. شعرت بأنني تحسنت. فأنا التي كنت أمقت تناول المضادات الحيوية وأعتبر أن مضادات الحموضة أفضل منها، كان ظني خاطئًا. الآن أصبحت أتناولها رغمًا عني من شدة الآلام المعدة وبدأت أشعر بأهمية هذه المضادات بدون الافراط بتناولها.

هذا المقال يأتي ضمن سلسلة من المقالات التي تشدّد على أهميّة المُلاحظة، وتوصل فكرة أنّ الاكتشافات العظيمة لا تحتاج ضرورة إلى مُعدّات متطوّرة، إنما هو بعض الفضول!

بالطبع الملاحظة الدقيقة ولأصغر الأشياء هي من تميز من يرغب في صنع نجاح يفتخر به وكما قلت الأمر لا يحتاج إلى تقنيات وما إلا ذلك فقط يحتاج إلى ملاحظة.

فأنا التي كنت أمقت تناول المضادات الحيوية وأعتبر أن مضادات الحموضة أفضل منها، كان ظني خاطئًا. الآن أصبحت أتناولها رغمًا عني من شدة الآلام المعدة وبدأت أشعر بأهمية هذه المضادات بدون الافراط بتناولها.

إن كُنتَ تخشى من "المقاومة" التي تُبديها البكتريا بسبب كثرة المضادات الحيوية فلا تهتم، موضوع المقاومة موضوع شائك، إذا لم تتناول الأدوية بصورة كاملة، كأن أخذتَ نصف الكورس المقترح، قد تتطوّر لبقايا البكتريا مقاومة، وإذا أخذت جرعات من غير داع، قد تتطوّر لبكتريا موجودة أصلًا بالجسم مقاومة.

لكنّ الذي يتناول هذه الأدوية وفق خطّة طبيب ومرض موجود أصلًا، فأمر المقاومة لا يهمّ أصلًا، وآثاره قد لا تظهر. المهم أن تُعالج الحالة وترتاح من هذه الازعاجات. أسأل الله لك الشفاء :)

إذا لم تتناول الأدوية بصورة كاملة، كأن أخذتَ نصف الكورس المقترح، قد تتطوّر لبقايا البكتريا مقاومة، وإذا أخذت جرعات من غير داع، قد تتطوّر لبكتريا موجودة أصلًا بالجسم مقاومة.

نعم هذا صحيح، لهذا أحرص على انتهاء العلاج ولا سيما المضادات الحيوية. ما بقي إلا قليل وستكون الأمور على ما يرام إن شاء الله.

لا زالوا يستخدموا الppi كعلاج ....