76

لن أدخله مرة أخرى!

لن أدخله مرة أخرى!

عشر خطواتٍ كانت تفصِلنُي عن باب حضرة المدير، تزدادُ وتنقصُ بذهابي وإيابي. سؤالٌ قلقٌ كان يَشغَل عقلي، ويُخربِش أفكاري، فيُربِك أفعالي ولا سبيل كنتُ أعرفه لجواب: كيف سأفُصح له عن الأمر الجلل؟ كيف سأَجرؤ على إخباره بأنَّني سأَتركُ العمل؟

يدي تمسح ناصيَتي في محاولةٍ بائسةٍ لإسعاف عقلي، تلحقها أختُها الشقية لتلعبَ بشاربي. نفسي تحدِّثُ نفسي بلا كلل: ما بالُكَ يا رجل؟ ما الذي دهاك؟ أنت الواثقُ من نفسه، الثابتُ في قراراته، لستَ أول من يترك العمل، وطبعاً لن تكون الأخير. فقط هدئ من روعِك، واستَجمعْ قِواك.

أَتَّجِهُ إلى برَّاد الماء في أول البهو، ألتقطُ كوباً وأجترعُه بحملةٍ واحدةٍ، ثم أخطو هوناً حتى الباب. "ابتسمْ بعض الشيء.. لا لا كُنْ جدِّيَّاً.. زرِّرْ قميصك" سُحقاً، لقد سقط أحد الأزرار! أين؟ متى؟ كيف سقط؟ لا أعلم!

أطرقُ الباب العالي ثلاثاً ثم أدخل الغرفة الواسعة. طاولة اجتماعاتٍ طويلةٍ على يساري ومكتبٌ فخمٌ على يميني. يقف المدير بجلالة قدره العظيم ويمدُّ يده ليُصافِحَني بابتسامةٍ هي أبرد من جوِّ الغرفة، ينكمش جسدي صاغراً أمام جثَّتِه العظيمة التي تشغل رُبع مساحة الغرفة على اتِّساعها. يجلس على كرسيِّه… "كرسيّ؟ إنَّه عرشٌ يا فهمان!" يدعوني للجلوس، فأضع هاتفي على طاولةٍ متروسةٍ بالمجلات والصحف أمامي ثمَّ أجلس.

بعد دقائقَ من الصَّمْتِ المَهِيب يبادرُني بالكلام:

  • صحَّتُكَ؟ أحوالُكَ؟ أخبارُكَ؟ الخ…

  • تمام التمام، كلُّ شيءٍ على ما يرام… صحَّتُكم؟ أحوالُكُم؟ رضاكم عنَّا؟ الخ…

يسود الصَّمْتُ من جديد…

يَدُه على كَرِشِه العظيمة والأخرى تلهو بقلمٍ يساوي معاشيَ الشهريَّ كاملاً، ينظر إليَّ باسماً مُستَفهِماً: خير؟ سببُ الزيارة؟

"أنت تعلم تماماً أنَّني أعمل هنا منذ زمنٍ طويلٍ، أعمل في ظروفٍ بائسةٍ كالعبدِ بلا شروط. أنا العاشقُ لمجال عملي، الهاوي لتفاصيله، بِتُّ أكره كلَّ ما يَمُتُّ إليه بصلة، لقد تعبتُ من العمل، مللتُ هذا المكان الذي يَسلبني كلَّ وقتي، كرهتُ في هذه الشركة نفسي وحياتي ومن حولي.

معاش؟ أيُّ معاشٍ يا رجل! ألَا تستحي أنْ تسمي هذا معاشاً! إنَّه (خَرجيَّة) أصبح اليومُ الذي تتكرَّمون فيه عليَّ بها عيداً! أصبحتُ أدخل المنزل منتصفَ الليل خِلسةً حتَّى لا تَلْحَظَنِي صاحبةُ البيت، تلك العجوزُ التي تصِّر على ألَّا تموت قبل أنْ أدفع لها آخر قِرشٍ من الأجور. بقَّال الحيِّ ما عاد يَذْكُرُ لي ثمن ما أشتريه، بل يسجِّلُه تلقائياً في دفتر الدين الأصفر.

أمَا وقد بلغ السيل الزُّبى؛ فقد قرَّرت ترك هذه المُستَعمَرة، وإنَّني سَأرضى بالجحيم بدلاً عن هذا المكان."

أقف سريعاً، أَرْمُقُهُ باحتقارٍ، ثمَّ أخرج سافِقاً الباب ورائي.

آه.. ليتَ هذا الذي كان قد حدث، لكنَّه العكس تماماً:

"حضرتُكم تعلمون يا سيدي، وأنتم خيرُ العالمينَ، أنَّني أعمل في ربوع هذه الشركة منذ زمنٍ طويلٍ، وإنَّني أُكِنُّ لكم خالص التقدير والاحترام لاحتضانِكم ليَ في شركَتِكُم، وتحملِكم لأخطائي، ولغضِّكُم الطَّرف عن عثراتي. غَمَرتُموني بكرمِكم، وفضَّلْتُم عليَّ بأكثَرَ مما استحقُّ، لكنَّني مضطَّرٌ لترك العمل لأسبابٍ شخصيةٍ أرجو الاحتفاظ بها لنفسي."

كلماتي هذه كان لها وَقْعُ الصَّفعة على أُذُنِه. قَطَّبَ حاجبيه، وزال أيُّ أثرٍ للرضى من على وجهه، وحلَّقتْ عيناه بأفكاره فحطَّتْ على أغصان الشجرة الإصطناعية في زاوية الغرفة.

لحظاتٌ ثمَّ يعودُ إليَّ بنظراته وقد صَعَّرَ خدَّه.

  • هل تريد زيادةً في المعاش؟ هل المسألةُ كذلك؟

  • لا لا سيدي. بحقٍّ هي أسبابٌ أخرى. أسباب…

تقديم الاستقالة لزيادة المعاش… هذه ورقةٌ خاسرةٌ لعبَها زميلٌ لي، فمَا نالَهُ منها سوى بعضَ الوعود طوال شهور، إلى أنْ وجدوا البديل، وصار هو خارج الشركة.

  • حَسَنٌ، لك ما تريد. لكن فلتعلّمْ جيداً يا كامل أنَّ هذا الباب ما عاد مفتوحاً لكَ، وسيكون من الصعب عليك أنْ تعود الى هنا مرة أخرى. أمَّا عن نصيحتي – التي لم أسألهُ عنها – لو عملت في مكانٍ آخر، فَحذار أنْ تدع أحداً يستغلَك! وأسألُ لكَ التوفيقَ.

  • نصيحتُكم ـ التي لم أسأله عنها ـ حلقةٌ في أُذني. شكراً جزيلاً.

يسود الصَّمْتُ من جديد، فَأعِي أنَّه قد حان وقت الذهاب. أقف، أمدُّ يدي لأصافِحَه فيمدُّ يده وهو جالسٌ. أخرج من غرفته مغلقاً الباب هوناً، أَشعُرُ بحريَّة الخارجِ من سجنه الأبديِّ. لقد ذهب الهمُّ، وزال الغمُّ. أخطو مبتعداً عن مكتبِه الذي لن أدخله مرَّة أخرى حتَّى لو جرُّوني إليه بالسَّلاسل. أَخطو خطوةً أخرى؛ تبَّاً! لقد نسيتُ هاتفي على طاولة المكتب.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

هل لديك رواية انت كاتبها ؟ قصصك جميلة وتسردها بطريقة رائعة .

لا يا سيدي ليس بعد :) كم يسعدني ويشرفني أنها نالت اعجابك.

لقد سردت معاناتي يا عزيزي، اليوم كتبت ورقة استقالتي بعد شهور كثيره من التفكير اتمنى ان اكون قد اتخذت القرار الصائب، في الحقيقه اشعر بقليل من الندم او سمه حيره ولكني سعيد جدا.... اتمنى من الله سبحانه وتعالى التوفيق لي ولك وللجميع في المستقبل.

وفقك الله وفتح لك أبواب رزقه وأعاذك من أن تكون من النادمين... امضي قدما وسترى أن ما فعلته هو الصواب مع انني لا أعرف قصتك... فالراحة النفسية فوق كل شيء. وهذا نقد لأرباب العمل الذين يظنون أن مفاتيح أبواب الرزق بين أيديهم!

بصوت هادئ جدا أحدثك (أدخل هذه المره وبنفس الابتسامه البارده الذى استقبلك بها أحضر الهاتف وخذ فنجان القهوة الموضوع على المكتب أمامه وأجرى ) XD

أهم شىءٍ الفنجان طبعاً

على الأرجح سيصاب الشخص السمين الجالس علي المكتب بحاله دهشه وربما يرافقها نوبه قلبيه على ثمن الفنجان الباهظ

فكرت في ذلك ملياً D: لكنني أرد الخروج من هناك حياً

ayayoo أضف ردا

حمد لله على خروجك بأمان :D

ربما الحسنه الوحيده لهذا المدير إنك خرجت بهذه القصه التى ميزتها بأسلوبك الجميل فى السرد

ونصيحتي _ التى لم تسألني عنها أيضا :D _

أن لا تتأخر علينا فى القصه القادمه التى ربما تكون أنت مديرها :D

D: نصيحتك على العين والرأس. وقريباً إن شاء الله :) لكن الموضوع مختلف تماماً

شكرا لذوقك .. وفقك الله لكل خير

عندما اصادف مواضيع طويلة نسبيا اقوم بحفظها في المفضلة من اجل ان اعود اليها لاحقا (ولا اعلم متى سيأتي هذا ال "لاحقا" )

الا ان موضوعك قراته الى النهاية مباشرة بسبب اسلوبك اللغوي الذي احببته ووصفك للمعاناة التي يعاني منها الكثير من الموظفين - والتي اعتقد انك عايشتها لتكتب عنها هكذا - واخيرا انهيت الموضوع بابتسامة بسبب هاتف صاحبنا المسكين .. فشكرا لك

نعم سيدي الكريم قد عايشتها بشخصي، ولو تعلم كم سرني ما سمعت منك فشكرا جزيلا لك. وأرجو ان يرزقني الله القدرة على الاستمرار هكذا حتى لا تسقط كتاباتي في سلة المفضلة التي ستأتي لاحقا :) شكرا مرة أخرى.

أعجبني كثيرا أسلوبك في السرد وتنقل الأحداث، سأكون سعيدا بقراءة كتابات أخرى مثل هذه.

أرجو أنك استعدت هاتفك النقال بسلام!

بإذن الله أخي الكريم، من دواعي سروري أنها نالت إعجابك. شكرا.

نعم حصل ذلك بحمد الله :)

دقة وصفك ، وبلاغة كتاباتك وقولك ، أخذتني إلى عالم آخر تماما ؛ وكأني عايشت القصة بنفسي .

لك من القدرة على التوصيف والسرد الكثير الكثير.

بوركت ، وانا سعيد بحق لمشاركتك هذه التجربة الملهمة.

اتمنى أن ارى لك كتابات أخرى هنا .

أنا أسعد والله بشهادتك هذه التي اعتز بها، ثم إنني معجب جداً بكتاباتك التي لم يحالفني الحظ لقرائتها إلى منذ فترة قصيرة. فشكراً جزيلا وطاب قلمك سيدي.

أعزك الله وزادك من علمه.

لكن صدقني انت تتفوق عليّ بمراحل في أسلوب كتابتك.

قد اخجلت تواضعي يا سيدي.. أرجو من الله أن أكون عند حسن الظن دائماً.

اولاً أسلوبك في السرد وتنقلك بين الأحداث ممتنع جداً جداً، الأمر الآخر في بادئ الأمر ظننتك دخلت عليه بقوتك وقلت له ما ذكرته عالية و ذكرتني حقاً بأفلام إسماعيل يس وعبد الحليم حافظ بسبب معاناتك في الشركة، وعندما انتقلت لحديثك بينك وبينه في الواقع جعلتني أظنه دكتاتوريًا صراحةً.

المهم أتمنى أن تكون قد خططت لما ستفعله بعد ذلك حتى لا تندم (لا يجعلك الله منهم).

شكراً جداً جداً.. وكم سرني أني استطع خلق تلك العوالم في داخلك. خاصة أن لك نظرة مختلفة في النقد تربطك بواقع قد شاهده أو سمعت عنه. أمين يا رب وأيكم أخي.

قصتك رائعة و سردك رائع لدرجة أني أود قراءة الف صفحة من كتاباتك

أخطو مبتعداً عن مكتبِه الذي لن أدخله مرَّة أخرى حتَّى لو جرُّوني إليه بالسَّلاسل. أَخطو خطوةً أخرى؛ تبَّاً! لقد نسيتُ هاتفي على طاولة المكتب.

تباً كم يعجبني هذا الاسلوب في النهايات !

شكرا جزيلا. كم يسرني ويشجعني كلامك حتى اكتب المزيد والمزيد. وأرجو أن أكون عند حسن الظن :)

قصة جميلة وأسلوب سرد مميز

أستسمحك إعادة نشرها على الفيسبوك مع ذكر المصدر طبعا

لك ذلك اخي بكل سرور.. وإذا أردت يمكن ارسال طلب صداقة hussam hamzeh

أو الاكتفاء بذكر المصدر

تم نشرها أخي مع ذكر المصدر

مشكور جدا

جميل جداً

ذوقك الجميل شكرًا

احببته... 3>

أحبك الله اخي :)

مثلك لا يستحق العمل بأجرة انت مبدع

-8

لوريم إيبسوم(Lorem Ipsum) هو ببساطة نص شكلي (بمعنى أن الغاية هي الشكل وليس المحتوى) ويُستخدم في صناعات المطابع ودور النشر. كان لوريم إيبسوم ولايزال المعيار للنص الشكلي منذ القرن الخامس عشر عندما قامت مطبعة مجهولة برص مجموعة من الأحرف بشكل عشوائي أخذتها من نص، لتكوّن كتيّب بمثابة دليل أو مرجع شكلي لهذه الأحرف. خمسة قرون من الزمن لم تقضي على هذا النص، بل انه حتى صار مستخدماً وبشكله الأصلي في الطباعة والتنضيد الإلكتروني. انتشر بشكل كبير في ستينيّات هذا القرن مع إصدار رقائق "ليتراسيت" (Letraset) البلاستيكية تحوي مقاطع من هذا النص، وعاد لينتشر مرة أخرى مؤخراَ مع ظهور برامج النشر الإلكتروني مثل "ألدوس بايج مايكر" (Aldus PageMaker) والتي حوت أيضاً على نسخ من نص لوريم إيبسوم.

ما هذا يا هذا؟

ما هذا؟ عن ماذا تتحدث أنت؟

عن التعليق اعلاه وكذلك جرب فتح ملفه لترى الكوارث

فتحته ورأيت

-1

هل قرءت النص قبل أن تعلق