من يُدرِكُ مبكّرًا يشيخُ مبكّرًا

  • مجهول

عندما كنت طفلة صغيرة كنت أسبق سنّي بسنوات، بتفكيري وسلوكي وتعاملي مع الحياة..

من عمر تسع سنوات إلى خمسة عشر سنة عشت مع جدتي بعد وفاة جدّي كنت اهتم بها، ارتب المنزل، أحممها، وأسرّح شعرها، كانت ملتزمة بالصلوات على وقتها وتجبرني على ذلك، وفي الصباح الباكر بعد أن ننهي الفجر ونستمع لمحاضرة الشّعراويّ تُحبّ تجهيز القهوة العربية و تناول الإفطار وتبادل أطراف الحديث.

خلال النهار يأتي من يأتي لزيارتها ثم نعود وحيدتين في الليل تؤنسني وأؤنسها..

كانت تغضب ان غبت لعدد من السّاعات، كنت أشعر أحيانًا أن ذلك تضييقًا؛ لكنني اليوم أدركت أن لا أحد كان يُحِب مثلها!

توفّيت جدتي وانا في سنّ الخامسة عشر فعدت عند أمي وإخوتي في تجربة حياة جديدة!

في المدرسة كانت علاقتي ودّية مع معلماتي على عكس زميلاتي التي كانت تكثر بينهن المشاحنات، كانت المعلمات تشيد بأخلاقي ويخبرن أمي أنني وردة المدرسة، في الرحلات كنت أفضل وقتي معهنّ لأن زميلاتي طائشات، وفي أوقات الفراغ داخل المدرسة العب معهن الرّيشة، وأساعدهنّ في كثير من المبادرات.

لم أكن أكترث كثيرًا للدراسة مثل أوائل الصّف ولم أكن أيضًا أهملها بشكل مبالغ، اركّز في شرح المعلمة وعند الامتحان اتصفّح الكتاب، بإستثناء الصف العاشر الذي اهتممت به قليلا لأنها آخر سنة لي في مدرستي القديمة وعقدت العزم على أن لا أخرج منها إلا ومعي شهادة تقدير واحدة على الأقل وبفضل الله حصلت على ذلك.

في المنزل كنت العنصر الأكثر فاعليّة، أشعر أنني سيدة المنزل عندما أرتب المنزل وأغسل الأطباق ولا يتوقف الأمر عندي هنا بل أعمل بشكل دقيق كأن عملية جراحية سوف تُجرى في منزلنا؛ يبدأ الأمر بسيطًا بتحريك الأثاث من مكانه وينتهي بي المطاف لا شيء في الغرفة سواي والجدران أغسلها تمامًا كما أغسل الأطباق!

لكنني بعد عدة سنوات أصبحت أشبه بسندريلا؛ لا خيار لي إنّما مفروض علي ذلك بوجود آخرين معتمدين على وجودي لهذا!

كنت أرى أن على الرّجل العمل خارج المنزل لتأمين إحتياجات أهله، وعلى المرأة أن تقرّ في بيتها تنظّفه وتهتم بأطفالها وتكون مصدر الدّفئ والحنان لعائلتها!

ولا أعتبر ذلك إهانة أو ضعفًا للمرأة أبدًا؛ بل تعظيمًا لها أن تبقى في منزلها وكل ما تطلبه يحضر عندها، وقوة لا يمكن للرجال امتلاكها حيث أنها تحمِلُ وتَلِد وتُنشئ جيلًا غايته رضا الله والآخرة!

لم تكن أحلامي مشروطة بإنهاء الثانويّة أو الجامعة بل لم أكن أكترث لها إطلاقًا!

كان حلمي أنني عندما أصبح في سن معيّن أتزوّج بشخص نّبيل يعرف ان عليه مسؤولية خارج المنزل وعلى زوجته مسؤولية داخله!

ويعرف أن التربية مسؤولية مشتركة لا يجب تركها على احد الأطراف دون الآخر، يحب أطفاله ويحتويهم ويقدّر زوجته، يحترمها، يستشيرها، يأخذ برأيها، ويناقشها سواء في وضع الأسرة أو المجتمع أو في كتاب ما!

يكون سندًا لها وتكون حضنًا يحتويه..

لكن القدر كان رأيه مُغايرًا؛ أتممت الثانوية والجامعة بفضل الله ثم إصرار أمّي!

وفي ذلك الوقت الذي انقضى بهتت أحلامي بل حتى لم أعد أكترث لتحقيقها؛ كانت معضلتي ليست مع الدراسة ولا مع العمل ولا حتى اصرار امي، كانت مع الأسباب الخفية وراء كل ذلك!

في عصرنا الحالي على الفتاة أن تدرس ليس لأن العلم فريضة؛ بل لتحصل على عمل يوفّر لها دخلًا حتى لا تحتاج أحدًا! بالإضافة إلى نقطة مهمة حتى ان تزوجت وتطلقت تعرف كيف تتدبّر أمرها!

أصبح الغالب من الرجال يرى أنها تكسب من نفسها فيُقلّص مسؤوليته تجاهها، وبعضهم من البداية يريد أن يتزوج موظّفة فما يلبث قليلًا حتى يبدأ بإستغلال دخلها!

وفي بعض الأحيان ترى أن الرجل يبقى في المنزل في الحين الذي تعمل به المرأة في الخارج جاهدة لتحافظ على منزلها!

كل منهما قد أخذ مهمة الآخر فاختلّ توازن الأُسَر، فنتج جيل متفكك، قلت رغبة الفتيات في الزواج لإعتمادهن على أنفسهم، وأصبح الرجل عاطل عن العمل لزحمت النّساء به، كثرت حالات الطّلاق وفسد المجتمع!

في الحقيقة ليست هذه القضية ما وددت طرحها!

بل أتساءل الآن، فتاة مثلي كانت لديها أحلام بريئة كتلك، لم تكترث للدراسة حتى أنها تخرّجت بأقل التقديرات لأنها لا تريد العمل وترى من حقها أن تقرّ في منزلها وأن يكون رجال بيتها مسؤولين عنها، لكن الحياة لم تلائم فطرتها لا هي بالتي نالت ما تمنت ولا بالتي واكبت الحياة مجبرة ما عليها أن تفعل؟

فتاة عاشت في اسرة متفككة وأثبت لها المجتمع ذلك كيف لها أن تؤمن بحقيقة البشر الآن؟

لم يعد حلمي بناء ذلك المنزل ولا قدرة لي على العمل في مجال تخصصي لأنني اهملته من البداية، وعائلتي لا تخلوا من الضّجيج فماذا أفعل؟

لا أرى وصفًا يليق بحالي غير "من يُدرك مبكّرًا يشيخ مبكّرًا"..!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

لقد أنتبه الشباب لهذه الأمور بالتحديد وهناك مبادرات تجري حالياً في مجتمعات الشباب ترجح أن لا يرتبط الشاب بامرأة عاملة، ويصل الأمر إلى أنهم يقررون أن الزواج بامرأة عاملة فيه فقد لقوامة الرجل ومسؤوليته، كما أنهم يطرحون من على المرأة أي التزام مادي سواء في تجهيز البيت أو أي مشاركة مالية مستقبلية.

أتمنى أن تجدي نفعًا؛ وفّقهم الله لما يحب ويرضى🤲🏻

لم أقصد طرح القضية بقدر ما قصدت ضياعي بين الفطرة وبين إرغام كل شيء حول المرء حتى يشوّه فطرته😅

أغلب المجتمع بدأ ينتبه للفطرة السليمة، لذلك لم يعد أحد مرغم على ما يشوه فطرته، على الإنسان فقط أن يجد طريقه في الحاضر حتى يوّفق فيما يوافق فطرته.

أجمل تعبير لخص كل مقالك "من يدرك مبكرا يشيخ مبكرا""

انا ما بدي احكي لاتعاطف معك بموقف أو كلام لمجرد الكلام بس بدي قول انو هيدي مشاكل الدنيا لا تفارق اي انسان سواء ذكر أو أنثى أو من عائلة متماسكة أو مفككة كان في تعبير لطيف لجدي يقول "لخلق علق" بمعنى تبدأ الحياة بمقارعته ،هلق المهم والذي أعتقد به جازما" ان إرادة الإنسان لا تلين ولا تضعف ولا يدخل الوهن إلى قلبه ويبقى الامل نصب عينيه وربنا موجود وبيسمع شكواه ونجواه ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي لعلمك بعاقبة الأمور. هيداك النهار وانا اتحدث مع اختي وهي مدرسة رياضيات صرلا فوق ل٢٥ سنة قالتلي طموحها استغربت منو قال تتقاعد وتفتح دكان صغير تقعد في ههههه ضحكتني من قلبي وهي جادة في كلامها 😂😂😂

مجهول أضف ردا

بالتأكيد أؤمن بأن كل شيء يأتي في وقته المناسب.

ويبقى الامل نصب عينيه 

في إحدى أفلام الكارتون الخاصّة بالمحقق كونان تتجسد صورة شارلوك هولمز في آخر رمق اللعبة وهو يقول: إن من بين خيوط الحياة بلا لون، خيط أمل سيبقى مضيئاً ما دمنا أحياء، و بما أننا لا نزال أحياء، فنحن محكومون بالأمل بلا شك!

المعضلة ليست بالأمل، لأنه بلا شك مهما كثرت أحزان المرء وجراحه إلا أنه يبقى محكومًا بالأمل، لكن لا بد في العلاقات والعائلية على وجه الخصوص أن نكون عونًا لبعض لا أن نقضي العمر في مشاحنات وفي تقييد المخطئ بخطئه بدلًا من محاولة حل المشاكل!

هيداك النهار وانا اتحدث مع اختي وهي مدرسة رياضيات صرلا فوق ل٢٥ سنة قالتلي طموحها استغربت منو قال تتقاعد وتفتح دكان صغير تقعد في ههههه ضحكتني من قلبي وهي جادة في كلامها 😂😂😂

من وجهة نظري؛ اغبطها لأنها أدركت الأمر مؤخرًا..

رح ترجع تعيش حلاوة البدايات😄

إصرار والدتك على إكمال دراستك والبحث عن وظيفة هو الخير من منظورها لأن لا أحد يعلم تقلبات الدنيا ولا الحياة، فهي أرادت لكِ حياة كريمة مستقلة، لا تحتاجين فيها لأحد، فكثير من الزوجات الغير عاملات مع الأسف يُجبرن على أن يستمر زواجهم فقط لأنهن لن يجدن من يرعاهن ويهتم بهن، فهي أرادت ان تكون لكِ الإرادة الكاملة في زواجكِ إذا قررتي أي قرار لا تراجعين بسبب وضعك والظروف.

فكثير من الزوجات الغير عاملات مع الأسف يُجبرن على أن يستمر زواجهم فقط لأنهن لن يجدن من يرعاهن ويهتم بهن

بصراحة.. إعداد الفتاة للحياة كأنها مشروع طلاق مؤجل كما يفعل المجتمع، هو ما يقتل الثقة في العلاقات أصلا!

لسنا مطالبين لنحسب ألف خطوة للامام ونضع خطة للمستقبل الذي ليس بالضرورة سيمشي في اسوء سيناريو، هذا جحيم برأيي يمنعنا من العيش كما نحب.

بالفعل هذا الفكر يغضبني جدًا

يبدأ الزواج وهو منتهي بالأساس!

أتفهمك جيداً يارفيق، ولكن مع الأسف الحياة تصفعنا جميعاً بهذه الحقيقة التي لا نستطيع أن ننكرها.

Rafik_bn أضف ردا

أنا لا أنكر أن هذا قد يحدث. كل شيء وارد، النهاية السعيدة.. والسيئة.

إنما هناك مقولة تعجبني، الطائر الذي يجلس مطمئنا على غصن شجرة لا يثق بأن الغصن لن ينكسر، بل يثق بقدرته على الطيران إن انكسر.

ما أقصده أننا بدلا من ان نقلق من احتمال لم يحدث اصلا، لما لا نكون واثقين أننا سنتتجاوزه ان حدث، بعض الامور لابد أن نفوضها لله فنحن لا نملك مفاتيح الغيب

الخوف من الموت أسوء من الموت نفسه

أتمنى أن يتغير تفكير الناس بوعي مثلك الحقيقة، فمع الأسف إنعدام الأمان في العلاقات بسبب التوقعات السيئة التي نرددها فيما بيننا، بل لا نكتفي بترديدها فقط بل حتى نتبناها ونؤمن بها.

مجهول أضف ردا
إنما هناك مقولة تعجبني، الطائر الذي يجلس مطمئنا على غصن شجرة لا يثق بأن الغصن لن ينكسر، بل يثق بقدرته على الطيران إن انكسر.

المقولة أعجبتني جدًا؛ أشعر أنني مقبلة على أفق جديد!

جزاك الله خيرًا.

أعرف غايتها ولأنها عاشت تجربة مريرة أفهمها، لكن المشكلة ليست في أمي بالتحديد بل في غاية العالم بأسره!

العالم ليس مكان وردي مع الأسف، فإن لم تكوني جاهزة وحاضرة لحماية نفسك ووجود أرض قوية صلبة تعتمدين عليها سيتم سحقك مع الأسف، والاشد أسفاً أن المال والمنصب قد يوفر لكِ هذه الأرض الصلبة والأمان.

أعجبني جدا كتابتك فقد اطلعت عليها وأغرمت بها إنها صحيحة جدا ونظرك إلى الأمور صواب

هذا من لطفك😍🧡