ما مسؤوليتنا تجاه الأطفال اللقطاء؟

في عملي داخل قسم الحضّانات والأطفال المبتسرين، يمرّ علينا مشهد يتكرر كثيرًا، لكنه لا يصبح عاديًا أبدًا. أطفال لقطاء… يأتون إلى الدنيا بلا اسم واضح، بلا عائلة تنتظرهم، وبلا ذراعين تعرفانهم قبل أن يفتحوا أعينهم.

يمكث هؤلاء الأطفال في القسم أيامًا أو أسابيع، ريثما يتم التحري عن ذويهم، والبحث عن أهل قد يظهرون في اللحظة الأخيرة.لكن في أغلب الأحيان، لا يأتي أحد. وحينها، يكون المصير معروفًا: الإيداع في ملجأ.

أعترف أنني في كل مرة أسأل نفسي السؤال نفسه: لماذا يحدث هذا؟ كيف يُترك طفل لا ذنب له ليبدأ حياته بهذا القدر من الوحدة؟

أتذكر أول مرة رأيت فيها طفلًا لقيطًا.كان صغيرًا جدًا، هشًا، لا يعرف شيئًا عن العالم سوى برودة المكان من حوله. وقتها، راودتني فكرة تبنيه، رغم أنني لم أكن قد رُزقت بأطفال بعد.

لم يكن اندفاعًا، بل خوفًا عليه…

خوفًا من أن يكبر في مكان كبير، بلا أم ثابتة، بلا صدر يلجأ إليه حين يبكي، بلا شخص يناديه باسمه بدفء. زاد هذا الشعور ألمًا بعد أن رزقني الله بأطفال.

صرت أنظر إلى وجوههم، وإلى حاجتهم الطبيعية للحضن، للصوت، للاحتواء، وأتساءل:

كيف يعيش طفل بلا كل هذا؟ أنا لا أكتب هذا للاتهام، ولا لإصدار أحكام.

أكتبه لأن الألم حقيقي، ولأن هؤلاء الأطفال موجودون بيننا، لكنهم غالبًا غير مرئيين.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

للاسف الشديد والمخزي ان هناك فجوة اجتماعية ما بين حق الطفل الطبيعي في الحضانة والدفء وبين الواقع القاسي اللي بيعيشه بعضهم. الغريب غياب المجتمع نفسه عن مسؤولية الرعاية والاعتراف بالطفل كإنسان كامل.

للاسف مااراه انه حتى الاشخاص الذين يعملون في المؤسسات الاجتماعية غالبًا بيركزوا على الإجراءات الا من رحم ربي، بينما الأطفال يعيشون شعور الإهمال قبل أي شيء آخر. اظن ان التواجد والاهتمام البسيط—نظرة، اسم ينادى به، حضن—يمكن يكون فرق بين طفل يشعر بالعزلة وطفل يبدأ الحياة بإحساس بالأمان والكرامة.

أتفق معك تمامًا، وأرى أن الفجوة لا تتعلق فقط بالأسرة، بل بالمجتمع كله. الطفل لا يحتاج دائمًا حلولًا كبيرة أو خطابات، أحيانًا يحتاج فقط أن يُعامَل كإنسان كامل، لا كحالة استثنائية. من خلال ما رأيته، أبسط أشكال الاهتمام تصنع فرقًا حقيقيًا: كلمة ثابتة، وجود مستمر، شعور بالأمان. المشكلة أن غياب هذا الاحتواء لا يظهر فورًا، لكنه يترك أثرًا عميقًا يكبر مع الطفل ويشكّل نظرته لنفسه وللعالم.

لقد كتبت عن هذا الشعور، بل عشته بشكل عميق أثناء كتابة روايتي الأخيرة "الطريق إلى نابلس"، حيث كان بطل من أبطال الرواية شخصاً من هؤلاء المظلومين. غير أن هذه الحياة الصعبة لا تبقى صعبة، بل أحياناً تكون دافعاً للإنسان لأن يحقق ذاته ويكتشفها، صعوبة الطفولة تكون ملهمة فيما بعد، هذا ما حدث مع بطل روايتي، الذي استلهمته من أولئك الذين كان في قدرهم أن يكونوا فرساناً من الثانية الأولى في الحياة .

كلامك لمسني جدًا، خصوصًا ربطك بين ما نراه في الواقع وبين الصورة التي تصنعها الرواية أو القصة. وأنا أوافقك أن الطفل في هذه الحالات لا يكون مجرد تفصيلة جانبية، بل هو بطل صامت في قصة لم يخترها. من خلال عملي رأيت أطفالًا يبدأون حياتهم وهم مطالبون بالتكيّف قبل أن يفهموا أصل الحكاية أصلًا. المسؤولية هنا لا تقتصر على التعاطف، بل على إدراك أن أي قرار نتخذه اليوم يترك أثرًا طويلًا في نفس طفل سيحمل نتائجه وحده لاحقًا. لذلك يصبح السؤال الأهم ليس من أخطأ، بل كيف نخفف العبء عمّن لم يكن له أي يد في الخطأ.