الموت كحقيقة معطلة بيولوجيا.

  • amineder

لو تأملنا في السلوك البشري تجاه الموت، لوجدنا تناقضا منطقيا صارخا، فنحن نتعامل مع الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل الشك كأنها مجرد احتمال بعيد أو إشاعة تخص الآخرين. هذا "الذهول العمدي" ليس ضعفا في قدراتنا العقلية، بل هو على الأرجح شيفرة وضعها الخالق في أصل الفطرة الإنسانية، حيث يعمل الوعي كمرشح يحجب ثقل فكرة الفناء ليسمح لغريزة البقاء والتعمير بالعمل. فلو كان الموت يتصدر مشهد الوعي في كل لحظة، لتحولت الحياة إلى رتابة جنائزية، ولتعطلت محركات الإبداع والعمل، ولما استطاع الإنسان أن يبني حضارة أو يزرع شجرة وهو يرى فأس النهاية مسلطا على عنقه في كل ثانية.

هذا النسيان الممنهج هو "رحمة تقنية" في نظامنا التشغيلي، فالله الذي خلق الموت والحياة، غرس فينا نزوعا فطريا نحو الخلود ليوازن به يقينا عقليا بالفناء، مما يخلق توترا إيجابيا يدفعنا للإنجاز دون السقوط في فخ العدمية. نحن مبرمجون على تجاهل الموت ليس لننكره، بل لنستطيع "احتمال" الحياة والقيام بمهامنا كمراقبين وفاعلين في هذا الوجود. إن غياب فكرة الموت عن بالنا رغم حتميتها ليس ثغرة في ذكائنا، بل هو صمام أمان إلهي يضمن استمرار المسرحية البشرية إلى حين يسدل الستار، فالحكمة تقتضي أن تعرف أنك ستموت، لكن الفطرة تقتضي أن تعيش كأنك خالد، وبين هذين القطبين تكمن قدرة الإنسان على صنع المعنى وسط عالم من الزوال.

لو رفع عنك 'حجاب النسيان' وأبصرت نهايتك بوضوح في كل لحظة، هل ستستمر في فعل ما تفعله الآن، أم أن حياتك ستتخذ مسارا مختلفا تماما؟

الحمد لله.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

الموت يصدمنا في كل مرة نواجهه ، لأننا نواجهه كل مرة و كأنها المرة الأولى التي نعلم فيها بأمره ، ولكن الدين يأمرنا بعدم الغفلة عن الموت ، افلا يعنى ذلك أن نسياننا للموت صادر منا و ليس تدبير إلهي ؟

إن هذا الذهول الذي يغشانا في كل مرة نصطدم فيها بحقيقة الموت، وكأننا نكتشفها لأول مرة، ليس دليلا على خلل في إدراكنا، بل هو تجل للمفارقة بين التصميم الفطري والتكليف الوعي. فمن الناحية التحليلية، يمثل نسيان الموت "رحمة تصميمية" وضعها الخالق في نظامنا التشغيلي، لولاها لما استطاع الإنسان أن يبني لبنة فوق أخرى وهو يرى فأس الفناء مسلطا على عنقه، فهي الآلية التي تضمن استمرار عمارة الأرض دون أن يصاب الوعي بالشلل الوجودي. أما التحذير الديني من "الغفلة"، فهو لا يستهدف إلغاء هذه الفطرة التي تميل للحياة، بل يستهدف ضبطها، فالله غرس فينا "برنامج النسيان" لنحتمل العيش، وأمرنا ب "التذكر الواعي" لنحقق المعنى. نحن إذن نعيش في توازن دقيق: أجسادنا وفطرتنا مبرمجة على العمل كأننا خالدون، وعقولنا وقلوبنا مطالبة بالاستيقاظ كأننا راحلون غدا، وهذا التوتر بين الآلية الإلهية والجهد البشري هو ما يمنح حياتنا قيمتها الأخلاقية والمنطقية.

بالضبط كنت سأسأل نفس سؤالك، لأن الله يذكرنا بها طوال الوقت وكذلك بالأخرة، مع تركيز أقل على الحياة، أظن أن ذلك صادر مننا ورغم أن الأديان تدفع للتعمير، لكن في نفس الوقت هي منبه لتلك الحقيقة ولكن الفكرة أن العقل يغفل عن تلك الحقيقة لصعوبتها وأن ما بعدها وكيفية الموت وفي أي وقت كلها مجاهيل، فعقولنا لا تستطيع التعامل مع تلك المجاهيل سوى بالاحتمالات أو التجاهل والنكران أيضا

اعتقد أن الامر يتعلق بالتعود إلي حد ما ، فستجد الحياة تستمر وقت الحروب بل ان المشردين في الشوارع ينجبون الاطفال ، ولكن ماذا لو اتيت بشخص لم يجرب الحرب او التشرد ووضعته فجاءة في تلك البيئة فإنه يصدم وقد يتعرض لاضطرابات نفسية شديدة .

هل تعرف قصه بوذا ؟ عندما عزلة والده عن العالم ولم يجعله يعرف ما هو الموت او المرض او الالم ولهذا عندما قابلهم عند تسلله من القصر كان وقعهم عليه مختلف عن الانسان الاعادي فكانه هو ولعدم تعوده كان الانسان الوحيد الذي راهم وتاثر بهم وتحول للبحث عن حل تلك المعضلات لانه راها هكذا فهلا ، اي معضلات وليس افكار في الخلفيه يتعايش مع فكرة وجودهم .

إن استحضارك لنموذج "بوذا" يضعنا أمام جوهر المعضلة، فما فعله والده كان محاولة لصناعة "فطرة اصطناعية" داخل القصر، عزلته عن حقائق الفناء ليعيش في وهم الخلود، وعندما خرج بوذا، لم يصطدم بالموت كمعلومة، بل اصطدم بانهيار "النظام التشغيلي" الذي بني عليه وعيه.

نحن جميعا نعيش داخل قصر مماثل، لكنه "قصر فطري" من صنع البرمجة الإلهية التي تستخدم التعود والنسيان الممنهج كأدوات لتخدير الوعي أمام فاجعة الموت، لكي لا تتحول حياتنا إلى شلل دائم.

الفرق بيننا وبين بوذا هو أن "حجاب العادة" لدينا تراكم عبر المشاهدات اليومية، مما حول الموت إلى "ضجيج خلفي" نتعايش معه، بينما رآه بوذا بعين "المراقب" الذي يواجه الحقيقة لأول مرة بلا فلاتر.

هذا يثبت أن النسيان والتعود هما "صمامات أمان" وضعها الخالق لنحتمل الوجود ونستمر في البقاء، لكن الاستيقاظ منهما ولو للحظات هو ما يمنحنا القدرة على رؤية المعضلات الوجودية بحجمها الحقيقي، بعيدا عن بلادة التكرار.

ولكن النتيجة في حالة بوذا كان ايجابية فهل معني هذا ان التعود سئ ؟ ام انه مفيد للبعض لان رد فعل الجميع علي تلك الرؤية الواضحه لان تكون رحلة للبحث بل احيانا قد تكون الانهيار والاضطراب .

ربما الله يمنح الرؤية والوضوح بقدر لمن هو مستعد وقادر علي التعامل .

إن فكرة الوضوح بقدر تلمس جوهر الحكمة في تصميم الوعي البشري، فالتعود والنسيان ليسا شرا، بل هما درع حماية ميكانيكي يمنع تفتت النفس تحت وطأة الحقيقة المطلقة.

فلو رفع حجاب العادة عن الجميع فجأة، لما تحولوا جميعا إلى بوذا، بل لغرق الأغلبية في شلل الوجود والاضطراب النفسي، ولتوقفت عجلة الحياة التي تتطلب نوعا من التخدير الفطري للاستمرار.

وهنا تظهر دقة التدبير الإلهي: الغفلة هي النظام الافتراضي الذي يضمن بقاء النوع وعمارة الأرض، بينما الرؤية الواضحة هي استثناء يمنح بقدر لمن يملك الاستعداد النفسي والعقلي لتحويل الصدمة إلى مسار معرفي لا إلى انهيار.

التعود اذن هو رحمة للمستضعفين وستار يتيح للناس ممارسة حياتهم بسلام، في حين يظل الاستيقاظ منه مغامرة وجودية كبرى لا تؤتي ثمارها إلا لمن امتلك الأدوات لتحمل ثقل الحقيقة وتحويلها إلى قوة دافعة للمعنى.

والله أعلم.

برأيي الأمر لا علاقة له بفطرة أو كما تقول شفرة ربانية وإلا لكانت تم ذكرها وفهمها، لكن نحن تعلقنا بالحياة وافرطنا في التمني حتى نسينا الموت وهذا أيضا مذكور في القرآن والحديث أن الإنسان بطبعه يتناسى الموت ويلتهي بالدنيا حتى يدركه الموت

إن ما تصفه بطبع الإنسان في التعلق بالأماني هو بذاته الشيفرة الفطرية التي أتحدث عنها، فالله لم يذم الغفلة إلا لأنها ميل غريزي عميق في أصل خلقتنا، ولولا هذا البرنامج الفطري الذي يدفعنا للتعلق بالحياة وتجاهل النهاية، لتعطلت غريزة البقاء وامتنع الإنسان عن عمارة الأرض.

لا أشعر بالراحة تجاه الفكرة بصراحة، فلو هي كذلك تخيل معي عندما يسألني الله لماذا تعلقت بالدنيا ونسيت الآخرة والموت اقول له لانك خلقتني هكذا ؟!

إن وجود ميل فطري للنسيان لا يعني الجبر، بل هو مادة الابتلاء، فالله خلق فينا غريزة الجوع وأمرنا بالصيام، وخلق فينا حب التملك وأمرنا بالصدقة، ولو لم يكن الدافع الفطري قويا لما كان للمجاهدة قيمة.

نسيان الموت آلية تتيح لك عمارة الأرض دون شلل، بينما التذكر وعي يضبط مسارك، والحساب لا يقع على وجود الغريزة بل على الاستسلام الكلي لها.

أعتقد سبب نسياننا للموت راجع إلى أننا غير قادرين على تخيله ولا نعرف عنه الصورة الكافية التي تجعله واضح أمامنا كل ما نسمعه عن الموت معلومات لكن لا يوجد شخص توفى مثلًا وعاد ليخبرنا بتجربة حقيقية عنه فصورة الموت بنسبة كبيرة مجهولة في مخيلتنا