بين البابين

ثمة أيام لا تعاش بل تحتمل

يتحوّل الزمن فيها إلى علكة فقدت طعمها تمد وتُمد فقط كي لا تنقطع

يبدو الوجود كأنه تجربة فاشلة لشيء لم يكتمل أبداً والبيوت أشبه بمقابر مؤجلة يسكنها الأحياء لأن الموت تأخر قليلاً

في الداخل كل صوت يجرح وكل نظرة تشبه استجواباً وكل نفس يذكّرك أنك ما زلت عالقاً في مسرح لا تعرف فيه دورك ولا النص

تتمنى لو أنك ظل لا يُسأل ولا يُرى يمر بين الأشياء دون أن يترك أثراً

لكنّك لست ظلّاً بل شيء بين الحياة والفناء تفيق فقط لتختبر شكل التعب الجديد

وحين تحاول أن تغادر تكتشف أن الخروج أيضاً شكل آخر من البقاء

كل الطرق تؤدي إلى ذات الجدار ذات الاسم ذات الثقل الذي يسكن صدرك

حتى النوم لم يعد ملجأ بل نفق آخر تخرج منه بذات الخواء كأنك لم تنم يوماً ولم تستيقظ أصلاً

في مرحلة ما يتوقف كل شيء عن الأذى

ليس لأن الألم اختفى بل لأن الإحساس نفسه خلع جلده وتركك تمشي بدونه

تتعلم أن تتفرّج على الفوضى كما يشاهد أحدهم فيلماً مكرراً يعرف نهايته لكنه يبقى جالساً فقط لأن لا مكان آخر يذهب إليه

تصبح الأيام نسخاً باهتة من بعضها تتبادل الملامح حتى لا تعرف إن كنت تعيش اليوم أم صدى الأمس

تضحك أحياناً لا لأنك سعيد بل لأن الضحك صار عادة دفاعية مثل رمشة العين أمام الضوء

كل شيء حولك يواصل حركته المعتادة الناس الشوارع السماء الساعة

وكأن الكون كله متفق على التمثيل بدقة بينما أنت وحدك نسيت النص

لم تعد تبحث عن معنى ولا حتى عن نهاية

أنت الآن تقف عند الحافة لا لتسقط بل لتتأكد أن الهاوية ما زالت هناك

وجودك صار تجربة مشاهدة طويلة تشاهد فيها العالم وهو يدور بلا سبب وتكتشف بصفاء غريب أن العدم ليس نقيض الحياة بل نسختها الأهدأ بلا ضجيج بلا خوف بلا أحد

وفي النهاية لا ضجيج

كل شيء يعود إلى وتيرته الأولى كأن العالم تنفس بعد صراخ طويل

لا يوجد نصر ولا خسارة فقط هدوء يشبه الفراغ بعد العاصفة

ذلك الصمت الذي لا يواسيك ولا يؤذيك بل يتركك كما أنت دون سؤال

تجلس بين الأشياء التي كنت تكرهها تلاحظ أنها لم تتغير أنت الذي تغيّرت

لم تعد تقاوم ولا تهرب لأنك فهمت أن الهرب لا يبدّل الطريق بل يبدّل التعب فقط

صرت ترى الحزن كجدار عتيق في بيت قديم لا يزال لكنه يتعايش معك تتكئ عليه حين لا تجد شيئاً آخر

لم يعد يهمك أن تُفهم أو أن تُبرر أو أن تُشفى

كل ما يهم أن تكون ساكتاً بما يكفي لتسمع صدى نفسك وهي تمر دون ألم

تكتشف أن الهدوء ليس راحة بل استسلام أنيق يشبه السلام في جنازة بلا بكاء

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

نظرة تشاؤمية جدا لما نحن عليه، الإنسان منا له قدر كبير من الحرية والاختيار يجعله يتحول لشخص يدير الظروف بدلا من أن تديره هو، الاستسلام بهذا الشكل ما هو إلا ضعف، كذلك أي شخص منا قد يصمت قليلا أو يستسلم مؤقتا كحالة دفاعية مؤقتة من التعب، أحيانا قد لا نملك أن نغير الواقع لكن دوما ما نملكه أن نغير طريقة تعاملنا معه

مش تشاؤم، ولا استسلام.

النص مش عن الهزيمة، هو عن لحظة الوعي لما تكتشف إنك مش دايمًا قادر تكون البطل اللي يقلب الظروف، وإنه في أوقات الضعف كمان في نوع من الإدراك النقي.

الفكرة مش إني أهرب من الحياة، بل أشوفها وهي تمشي بدوني وأفهمها أكثر.

مو كل صمت ضعف، أحيانًا الصمت هو الطريقة الوحيدة حتى نسمع الحقيقة من جوّا

هل أنت متأكد أنك لا تعاني من الاكتئاب؟ فتلك المشاعر العميقة من الحزن واليأس والألم وانعدام الرغبة في الحياة هي من أعراض الاكتئاب في الغالب، إذا لم يتم تشخيصك بالاكتئاب حتى الآن فالأفضل أن تقوم بزيارة طبيب نفسي يساعدك بالتشخيص الصحيح والعلاج المناسب.

النص ده مش مجرد وصف لحالة اكتئاب… ده قطعة أدبية فيها وعي عميق بما يشعر به الإنسان عندما يتعرّى تمامًا من الزيف، ويقف وجهًا لوجه أمام خوائه.

يمكن فعلاً الاكتئاب مش دايمًا علامة مرض، أحيانًا بيكون عدسة مكبّرة بتخلينا نشوف تفاصيل الحياة اللي الناس عادة بتتجاهلها.

يمكن المفارقة الغريبة إن الإبداع أحيانًا يولد من أكثر الأماكن وجعًا فينا، وهنا سؤال يطرح نفسه هل لازم الفنان يعيش الحزن عشان يقدر يبدع؟ ولا ممكن نوصل لنفس العمق واحنا في حالة نفسية عادية.

في رأيي أن زيادة الوعي لحد معين وفهم العالم وكل الظلم فيه و وفهم القذارات السياسية كفيل بجعل الإنسان يصاب بالاكتئاب.

كلامك دقيق جدًا، يمكن الاكتئاب مش حالة مرضية بقدر ما هو مرحلة وعي حادّ بالحقيقة.

اللي سميتيه “عدسة مكبّرة” هو بالضبط إحساسي كأن الألم يفتح زوايا ما بيشوفها الضوء العادي.

أما سؤالك الأخير، فبرأيي الحزن ما بخلق الإبداع… هو بس يزيح الغبار عن المرآة.

العمق موجود أصلًا، بس ما نلتفت له إلا لما نوجع

قد يبدو الاكتئاب قريبًا من الفكرة، لكن الفرق إن المكتئب يحاول ينجو، وأنا فقط أراقب.

اللي كتبته مش صرخة استغاثة، هو وصف هادئ لمرحلة إدراك إن التعب جزء من المعادلة مش خلل فيها.

أقدّر حرصك، بس الكتابة أحيانًا مش وجع بل طريقة لفهم الوجع

أحييك على أسلوبك الأدبي الرائق ولكن النص يحمل نظرة سوداوية قاتمة بشدة، أتفهم الرغبة فى الهدوء و السلام النفسي، أو تمنى توقف العالم حولك للحظات للالتقاط الأنفاس، ولكن ليس من من ذلك المنطلق التشاؤمي، أتمنى أن تحاول التعلق بالأمل فكما قال الشاعر،

أعلل النفس بالآمال أرقُبها ... ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

أقدّر لطفك وكلامك الجميل،

لكن النص ما كان عن التشاؤم بقدر ما هو عن لحظة الوعي لما ينكسر الوهم.

الأمل جميل، بس أحيانًا بيكون مثل مُسكّن مؤقت يخلّي الألم يبتسم بدل ما يختفي.

أنا ما كتبت عن العدم كهاوية، بل كهدوء بعد صراخ طويل

قد تبدو هذه المرحلة صعبة ومؤلمة وتشبه الوقوف في منتصف طريق لا ترى نهايته لكنها ستمر بإذن الله مثل كل المراحل التي ظننت من قبل أنك لن تتجاوزها ربما الآن تشعر أن كل شيء بلا معنى وأن التعب لا ينتهي لكن الأيام ستثبت لك أن حتى الصمت والوجع مراحل مؤقتة تساعدك على فهم نفسك أكثر مع الوقت سيهدأ كل شيء وتبدأ ترى النور في التفاصيل الصغيرة ستتعلم أن الهدوء ليس نهاية بل بداية جديدة وأن ما تمر به الآن ما هو إلا خطوة في طريق الشفاء بإذن الله

كلامك حنون بطريقة بتخلّي الوجع يبتسم للحظة، يمكن عن جد كل مرحلة صعبة بتمرّ، بس السواد اللي بحكي عنه مش حالة مؤقتة، هو وعي ثقيل للحقيقة مش الكل يتحمل يشوفها.

أنا ما بشوف التشاؤم مرض بشوفه نتيجة طبيعية لما تنكسر النظارات الوردية اللي الناس لابستها من الطفولة