من أين أتى العلم؟ وهل شارف على الختام؟

لعل رسومات الكهوف هي بداية ثمرة التفكّر والتأمل في الموجودات التي تحويها الطبيعة؛ إذ إن الطبيعة هي مادة التأمل الأولى التي استخدمها الإنسان لخلق الأفكار. وإن التفكّر والتأمل هما جوهر عملية "التفلسف" كما أحب أن أسميها، فالفلسفة- وهي محبة الحكمة- تتأتّى نتيجة عملية "التفلسف"، وهي مرحلة أولى يتم فيها إذكاء الأسئلة وبنائها في قشرة الدماغ الأمامية، وتعد مرحلة جنينية أولى تتسم بخطورة إجهاض الفكرة الأولية التي تحاول النمو في الدماغ لتبصر النور فيما بعد، إذ إن هذه المرحلة مليئة بمدخلات الحواس التي لا يمكن تنظيمها، وهي أسئلة قد تراود أي طفل، مثل لماذا السماء زرقاء؟ .. أو لماذا القطط تسير على أربع قوائم؟ .. ولماذا الليمون حامض المذاق؟ .. كلها أسئلة طفولية وفضولية تتشكل من مدخلات الحواس المختلفة كالإبصار والشم والتذوق واللمس، وإذا ما توقفنا عندها و أمعنا النظر فيها سنجد أنها أسئلة أسلافنا البدائيين، ولربما أرّقت فكرهم منذ عصور، إن هذه الأسئلة التي لا تحصى هي عملية "التفلسف"، ولذا قيل أن أهم الفلاسفة هم الأطفال، لأنهم يطرحون التساؤلات طوال الوقت وخلايا دماغهم دائماً منهمكة بجمع وتحليل مدخلات الحواس المختلفة، وغريزة الفضول دائماً مثارة لديهم، وإذا كان هذا حال الإنسان الأول إذن نحن جميعاً فلاسفة بالوراثة أولاً -عن أسلافنا الذين وضعوا الأسئلة حول العالم والكون والكائنات الحية وحاول أبناؤهم من بعدهم الإجابة عليها تباعاً، ولا زالت المحاولات قائمة-، كما أننا فلاسفة بالفطرة ثانياً إذ أننا نولد بالفضول الأول ومن ثم نبدأ بالتخلص منها ما أن يتم تنميطنا ومنحنا الإجابات.

وإن الإجابات المتراكمة والتي تتوارثها البشرية و تتناقلها فيما بينها هي العلم، وللعلم اختصاصات، وبما أن أصل الإجابات هي عملية التفلسف عُدت الفلسفة أم المعارف حتى المعارف الإنسانية كعلم الاجتماع، وإن تراكم المعارف والعلوم ما هو إلا نتاج عملية التفكّر البسيطة التي ذكرناها في بداية الحديث، إذن فإن العلم هو وليد العقل البشري المعقد. 

بعد هذا التقدم العلمي المهول فهل وصل العلم إلى الشيخوخة، هل سيفقد لمعانه لأننا قد نكون شارفنا على ختم الأسئلة، أم أن بعض الإجابات الثورية، كتمدد الكون، قد تتمخض عنها أسئلة أعظم وأعمق وأعقد لم يسبق أن تساءل عنها بشر؟؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

العلم و الإبداع فيه ملكة تختلف في قوتها من إنسان لآخر و لا يتسم بها سوى العباقرة و المبدعون و ليس الإنسان العادي،و إلا لأضحى جميع البشر مكتشفين و مثقفين و علماء،و طبعا يلعب بذل الجهد دورا كبيرا في اكتساب العلم أو إبداعه،العلم لم يصل إلى الشيخوخة و لا يمكن لأحد أن يدعي ذلك إلا إن أثبت أنه لا يمكن أن تحصل كشوفات علمية جديدة و هذا ما يثبت الواقع عكسه و الله تعالى قال (و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا),في نهايات القرن التاسع عشر اعتقد العلماء أنهم وصلوا لنهاية الفيزياء و أن الكون يعتمد على فيزياء نيوتن المبنية على النظام المادي الميكانيكي الكلاسيكي للكون قبل أن يصدموا مع اكتشافات أينشتاين و بور أن الكون ليس ماديا كما يعتقدون و أن المادة هي وجه من وجوه الطاقة و أن هناك احتمال لوجود خالق و المادة ليست أزلية كما كانوا يعتقدون

بالنسبة للفلسفة كما يقول ويل ديورانت في كتابه قصة الفلسفة لو عددنا المذاهب الفلسفية على وجه الأرض لوجدنا أنها بعدد البشر لأن الفلسفة هي عبارة عن طريقة و نظرة للحياة و لكل كائن بشري نظرة مختلفة عن الآخر،لكن الفلسفة مبالغ جدا في قيمتها جدا و عديمة القيمة عمليا و علميا و على حد علمي لم تخدم الفلسفة البشر و لم توصلهم إلى فكرة تفيدهم في واقعهم إلا فكرة واحدة هي التجريد في العلاقات الرياضية التي كانت نقلة حقيقية في تاريخ العلم وازدهاره أفاد فيها فلاسفة اليونان البشرية بحق،عدا ذلك لا أعرف أي إنجاز قيم للفلسفة و الفلاسفة،كل الاختراعات و الاكتشافات العلمية في تاريخ البشر سببها أناس علماء و مبدعون و عباقرة كل في مجاله،الطب و الهندسة و الرياضيات و الفيزياء و الكيمياء و الإدارة إلخ و نتيجة تجارب و تضحيات و جهود و عرق و عذاب و تراكمات على مدى أجيال،و ليس شخص جالس على الأريكة يقوم بعك فكري ممتع لا يقدم و لا يؤخر،الفلسفة عبارة عن عك فكري ممتع و تسلية فكرية لا أكثر و لا تعتبر علما

أشكرك على رأيك

إن وظيفة الفلسفة واضحة وضوح الشمس، وإن كل الوعي البشري متمخض بالضرورة عن العملية الفلسفية، للفلسفة ثلاث وظائف أساسية: وهي تفسير الواقع، تبرير الواقع، وتغيير الواقع.

وأذكر لك بعض الأمثلة السريعة التي يمكن لك بعدها البحث.

الفلسفة الرواقية ودورها كان بتقبّل الواقع والحاضر وكبح النفس من الانقياد للّذة أو الخوف من الألم، والتي انتشرت بين شعب أثينا وذلك تزامناً مع الحكم العسكري، حيث ساهم الرواقيون في تخطي أزمة أخلاقية كبيرة وذلك بالحواريات التي كانت تعقَد في الأروقة فقط، وبذلك فقد حافظوا على أخلاق الشباب الأثيني، في ظل الحكم المستبد.

الفلسفة الرشدية اللّاتينية: حيث تم نقل ما تبقى من كتب ابن رشد إلى جامعة بادوفا في البندقية، لتصبح جامعة أرسطوطاليسية رشدية، وبذلك تكون إيطاليا معقل الرشديّة اللاتينية.

وقد درس كبار المؤثرين في جامعة بادوفا وغيرها، وأبرزهم كوبرنيكوس الذي درس في إيطاليا مدة عشر سنوات، وهو  القائل بكروية الأرض عن طريق الرياضيات، ونشبت على إثر هذا ما يعرف بالثورة الكوبرنيكية ليأتي بعده جاليليو الذي درس في جامعة بادوفا 17 سنة، وهو مخترع "التلسكوب" واستطاع اثبات نظرية كوبرنيكوس عملياً، وتلك كانت الضربة الكبرى لهرطقات الكنيسة، حيث تشبع هؤلاء العلماء بالفلسفة الرشدية اللاتينية التي كانت تشكك بعلم الفلك وتنزع إلى تأسيس علوم طبيعية جديدة، لتبدأ بعدها حملات التنوير التي قادها فولتير فيلسوف الأنوار بدايةً وسار من بعده ديكارت وكانط وأسس كل منهم مدرسة فلسفية نظمت أوروبا فيما بعد ، وغيرت وجه أوروبا، متخذةً من الرشدية اللاتينية نوراً يُهتدى به وبذا يتجلى دور الفلسفة في تغيير الواقع وترك الموروث والتمرد عليه في سبيل الحقيقة والعلم، وهذا ما يثبت علاقة العلماء الوثيقة بالفلسفة، فحتى ابن سينا صاحب أهم مرجع طبي وهو كتاب القانون في الطب كان فيلسوفًا.

ناهيك عن فلسفة القوة التي تبناها هتلر عن الفيلسوف المطرقة فريدريك نيتشه وتسبب في الحرب العالمية الثانية، والفلسفة المادية التي تحكم بها أمريكا وأساسها المادي هي الرأس مالية المنبثقة عن فلسفة توماس هوبز.

وتطول القائمة وبالبحث تدرك أن الفلسفة متوغلة في كل أمور الحياة الاقتصادية السياسية والاجتماعية، ولا تقوم قائمة لحضارة إلا عندما تزدهر فيها الفلسفة.

الآنسة المحترمة،و أنا أشكرك على ردك و على تعبك في الكتابة،رغم أنني قرأت تاريخ اليونان و تاريخ الفلسفة لكني لم أقرأ دور الفلسفة الرواقية في الفترة التي ذكرتيها أو نسيته لأنني بصراحة قرأته منذ سنوات و لم أراجع معلوماتي،على كل هذا يدل على ثقافتك و خلفيتك التاريخية الجيدة،بالنسبة لهذا الأمر هذه فكرة نفعت في مرحلة معينة و انتهت،قد تأتي فكرة ما سواء من شخص عادي أو فيلسوف و يتبناها مجتمع كامل هذا لا مشكلة فيه،و الحياة البشرية هي تلاقح أفكار تأتي و تذهب و تتبدل أو تظل صامدة،أو أنها نفعت لأنها أصح من فكرة سابقة لها في مرحلة معينة،و هذه الأفكار و طرق الحياة قد ينتجها فلاسفة أو غير فلاسفة

ما أقصده في كلامي بالدرجة الأولى التأثيرات الطويلة المدى التي تمس حياة البشر اليومية و تفيدهم بشكل حقيقي في حياتهم الواقعية،الظاهر أنني بالغت جدا و كنت مندفعا عندما قلت أن الفلسفة لم تفد البشرية سوى في فكرة واحدة فقط و أسأت التعبير،في الحقيقة الفلسفة أفادت البشرية في أفكار قليلة جدا نسبة إلى إنتاج الفلاسفة الفكري،معظم إنتاج الفلاسفة الفكري و القضايا التي يتناقشون عنها لا فائدة منه،من قبيل هل الأشياء موجودة ولها وجود خارج الحواس أم أن الحواس سبب وجودها،و هل صفات الجوهر مرتبطة بالجوهر أم مستقلة عنه،و هل صفات الأشياء هي ثابتة و من تجليات الجوهر أم أنها قد تتغير في أي لحظة و إنما نراها ثابتة لأننا ألفناها كذلك،و غير ذلك من القضايا التي لا تقدم و لا تؤخر، و مثل هذه القضايا و أشباهها هي الجدل الذي يتحادل بشأنه الفلاسفة و هي في حقيقة أمرها لا فائدة منها و لا تفيد البشرية بشيء

هذا ما قصدته،و أحسنتي الحوار و النقاش لديكي خلفية ثقافية جيدة جدا و إن كنت مختلف معكي

أعتقد أنك تقصد الميتافيزيقيا وهي بالتأكيد أمور ليس لها أثر مباشر ملموس في تطور البشرية كاختراع الطباعة مثلًا، ولكنها تظل أسئلة الإنسان التي تمنح حياته إجابات عن المعنى والهدف والمصير، وبالتالي تمنحه الراحة التي أعتبرها مسعى كل البشر.

أشكرك على حوارك.

كما ذكرتي فقد أتت كل العلوم من الفلسفة في المقام الأول ثم بوجود الرياضيات بدأت مرحلة جديدة من العلم تمكننا معها من صياغة المنهج التجريبي وتنظيم نتاج العلم بطريقة جيدة.

بعد هذا التقدم العلمي المهول فهل وصل العلم إلى الشيخوخة، هل سيفقد لمعانه لأننا قد نكون شارفنا على ختم الأسئلة، أم أن بعض الإجابات الثورية، كتمدد الكون، قد تتمخض عنها أسئلة أعظم وأعمق وأعقد لم يسبق أن تساءل عنها بشر؟؟

في الواقع لا يمكننا أن نعرف. نعم لقد عرفنا بعض الإجابات لكن هذا ما أعتقده رواد الفيزياء الكلاسيكية مثلًا

ففوجئوا بالفيزياء الحديثة وميكانيكا الكم! ثم جاءت نظريات أحدث فعدلت على القديم وطورته

لذلك أرى أن العلم لا يشيخ أبدًا ولا يموت إنما يتطور والآن نحن نرى العلم وقد جعل من التكنولوجيا توءمًا له تتطور بتتطوره

والتكنولوجيا لن تتوقف عن تطورها وكذا العلم.

نعم قد لا نأتي باكتشافات محورية تقلب العالم رأسًا على عقب لكن سنطور جزءًا هنا ونكتشف جزءًا جديدًا هناك. أما عن الإجابات عن كل الأسئلة فلا أرى البشرية تفعل هذا أبدًا إنما نحن نحاول وفي تلك الرحلة يوجد الكنز.

Zeina_Mahmoud أضف ردا
 ثم بوجود الرياضيات بدأت مرحلة جديدة من العلم

بالتأكيد وهذا خلق مشكلة للفلسفة ودورها بعد الثورة العلمية، ولكن هذا موضوع آخر يمكن مناقشته.

في الواقع لا يمكننا أن نعرف

أتفق معك، أننا لا يمكن أن نعرف إن كنا وصلنا لذروة المعرفة البشرية أم لا

ولا أعتقد أننا سنأتي بمعرفة تحدث انقلابًا كما ذكرتِ.

تحياتي أمنية

هل سيفقد لمعانه لأننا قد نكون شارفنا على ختم الأسئلة

ختم الأسئلة؟!

نحن لا نعرف شيئا أصلا!

كلما تعمق الباحث بتخصصه إلا وأدرك أن البشرية لم تكتشف في مجاله إلا نقطة من بحر شاسع, ومازال هناك العديد والعديد من الأسرار المخفية, بل حتى المعارف التي تُعدّ من المسلمات اليوم قد لا تكون فعلا كذلك, وإنما اعتقادنا أنها الحقيقة ناتج عن الفهم السطحي للظواهر العلمية... كما حدث مع نظرية نيوتين للجاذبية مثلا قبل نظرية اينشتاين.

اهلا بك

سؤال جميل

طاقة السؤال اعظم الطاقات الكونية وهي مفتاح المعرفة ،، قال تعالى قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق

اي كيف بدا كل شي كيف بدات الفعل كيف بدا السؤال كيف بدأت الفكرة طالما نقول كيف كيف كيف تزيد المعارف ولن تنتهي!

العلم يتقلم فهو شجرة ،، ن والقلم وما يسطرون ،،، مادة العلم واداة العلم ونتيجة العلم

اذا العلم قلم من التقلم كما تتقلم الشجرة وتتقلم وتتفرع وتتفرع وتكبر

العلم يتقلم باستمرار مع طرح الاسئلة مثلا كان طب عام ثم طب خاص ثم طب العين وطلب القلب وطب الاعصاب الخ يتفرع يتفرع ، كما يتفرع الاقتران كما تقترح المعاني والكلمات في الدماغ ومن ذلك ان يتفرع الربط والطب مثلا ليظهر علوم ، الطاقة والطب ،، الكلمة الايجابية والطب ،، الموسيقى والطب ، الطب بالماء الخ اذا كل الثنائيات الكونية تلتقي بفعل نون القلم

العقل يتقلم باستمرار والعلم لا ينفذ لان كلمات الله لا تنفذ ،،، طالما الانسان يسال ويبحث ويتقلم سيستمر العلم

ارى ان العلم ما زال صغيرا وسيكبر ولا يشيخ

هذا الموضوع شيق جدا ويحتاج حديث طويل جدا خاصة اذا اردنا ان نربط ذلك بصناعة المعرفة والوعي

شكرا

كلام جميل واتفق معك لكن بالنسبة للفلسفة فلا اتفق فيها معك فقد ذكرت دور الرياضيات في الفلسفة والرياضيات هي ام العلوم فكل ما بالوجود عددي ورقمي واصل العلم ينطلق من العدد والرقم وما قدمته الفلسفة في هذا الاتجاه يعتبر تأصيل للعلم، كما ان الفلسفة تقترن بالغائية والسببية والسببية متصلة بالسؤال وهو متصل بالمعرفة ولا يوجد بحث علمي الا بطرح السؤال ، ومكن ذو القرنين بالعلم لانه اتبع سببا، فالسببية تفسر الغائية

أعتقد أن نسب الرياضيات للفلسفة كسائر العلوم، هي أمر شائك ويسبب الانقسام إذ يوجد تضارب في الآراء، ولكني أعتقد أن الرياضيات لا يتعلق بشكل مباشر بتفسير الظواهر كما الفيزياء والكيمياء، ولكنه طريقة تستخدم المنطق العددي والهندسي لأداء جملة رياضية معينة وقد لا تكون نابعة عن تساؤل معين كحال باقي العلوم، ولذا فإن طبيعة الرياضيات تختلف عن سائر العلوم.

هذا في حالة اعتبار ان الرياضيات مجردة، لكنها حيه في كل شيء حتى في الطبيعة والإنسان ذاته