متواضع أم مُدّعي

  • demane

أنا… مجرد عبد ضعيف، أقولها دوما بعد كل عمل نبيل. ويهتفون من ورائي ما أروع تواضعه! وكما يبدو فإن الوضع لم يكن مريحًا… فهل أنا حقا كما وُصفت؟ أم أنّه مجرد دور ألعبه ببراعة؟

لطالما شاهدت أناسًا يعملون بصمت، لا يبحثون عن الأضواء، وإن حدث وسُلّطت عليهم، خفَتوا. أناسًا لا يقلّلون من أنفسهم بوعي، بل لا يرون في أنفسهم ما يستحق التفاخر. يُثنون على غيرهم بمحبة، ويعترفون بفضلهم دون خجل، ويقولون لا أعلم، دون أن تهتز صورتهم.

أما أنا…أحيانًا أقول عن نفسي ما يُوحي بالتواضع، وأنا أنتظر من الآخر أن يرد بأنّني مميز.

أحيانًا أسخر من المديح، بينما أرتقب سماعه بشغف. وكم مرة أثنيت عن شخص ناجح، داعيا من الله أن يثبتنا، كوننا مقصرين ، بينما في داخلي، كانت الغُصّة تقول: "لماذا هو؟".

أتظاهر أحيانًا أنِّي لا أحب الظهور في الصورة، لا أحب الاستعراض والتفاخر، بينما كنت أتصيده، تهرّبت من المدح علنًا، لكنني خبأته في قلبي كجائزة سرية.

وقد شاءت الأقدار وساقني الله إلى رجل بسيط، في جلسة حوار، لا ألقاب له ولا شهرة، كلماته اخترقت قشرتي المزيفة. خصوصا عندما وصل إلى نقطة أن التواضع يُرى لا يُروى، ولا نحتاج أن نقول عن أنفسنا شيئًا.

وفي حوار مع نفسي، تساءلت. هل صادف أن كنت متواضعًا يوما بحق؟ أم كنت أبحث عن طريقة محترمة لأُشبع بها غروري؟ رأيت التواضع مجسدا أمامي في ذاك الرجل، التواضع لا يلزم الظهور بل ينفر منه أصلا… لا يحتاج لزينة، لا ينتظر مصدرا خارجيا يخبره بذلك، ولا يخشى أن يُنسى. وما كنت عليه سابقا ليس إلا إدعاءا كاذبا، وأحيانا أداءً ناعمًا… لحاجة في نفسي.

ومع إتضاح المعنى، ولا أزعم أني وصلت لهذا وحدي. لكن على الأقل، أصبحت لدي دِراية ولو بسيطة على الأقل بأن هناك فرقًا كبيرًا بين أن أُخفي نفسي لأنني زاهد في الظهور … وبين أن أُخفي أنانيتي داخل صورة خادعة أسميتُها التّواضع.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

صحيح أن هذه المشاعر قد تبدو سلبية، لكن طبيعي تمامًا أن نمر بها. نحن بشر، ولسنا ملائكة. أحيانًا نقول كلامًا فيه تواضع ونحن ننتظر المديح، نغبط شخصًا ثم نستغفر بعدها، نُظهر الزهد وأعماقنا تتمنى الظهور. هذا لا يعني أننا سيئون، بل يعني فقط أننا بشر نحاول، ونُخطئ، ونتعلّم.

الفرق الحقيقي هو أن ننتبه لأنفسنا، ونتعامل مع هذه المشاعر بصدق، لا بإنكار. لأن التواضع مش إنك تكون مثالي بل إنك تكون صادق مع نفسك وتحاول كل يوم تكون أفضل.

لسنا ملائكة... صدقت في هذا، ولسنا سيئين لمجرد أننا نمر بهذه المشاعر. الفرق كما قلت: أن نكون صادقين مع أنفسنا، لا مثاليين أمام الناس. التواضع الحقيقي يبدأ من هذا الصدق، لا من الصورة.

ما يكمن في النفس لا يعلمه بشر نحتفظ به لأنفسنا، قد لا يُشقي الإنسان إلا نفسه ويظل في صراع معها ولكن ما يختلف حقاً هل الإنسان يصارع نفسه ويخالف هواها كلما فكرت في شئ بأنانية أو رد مزعج أو فيه إيذاء لأحد؟، أم أنه كلما أقدم على عمل صالح او قول حسن أراد به مديحاً بينما يظهر أنه لا يبالي وأن النية كانت خالصة، اعتقد أنه صراع داخلي سيظل قائم يحاول الإنسان فيه كبح كل أفكار ومشاعر سيئة مرة تغلبه نفسه ومرة يغلبها لكن المهم أنه لا يستسلم.

نعم، الصراع مع النفس لا ينتهي، لكن وعي الإنسان به هو أول خطوة في الطريق. كما قلتِ، لسنا معصومين، لكن المهم ألا نستسلم، وألا نخدع أنفسنا باسم النية. التواضع يبدأ من هذه المواجهة الصادقة، حتى لو كانت صامتة.

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

بالنسبة لي أتعمّد دائمًا عندما يمدحني أحدهم أن أشاركه القول : " اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون واغفر لي مالا يعلمون" لئلا يغتروا بجمالية ما يصفونني به ولا تسوقني الأنا لإدّعاء الكمالية

جميل ما تفعلينه يا صاحبة الضفائر الحمراء، الدعاء في حد ذاته حبل نجاة، يذكّرنا بضعفنا وبأن ما يُقال عنا قد يكون من لطف الله لا من كمالنا.

ما بين المديح وحقيقة النفس مسافة لا يقطعها إلا الصدق… وعبارتك تلك تختصر كل المعنى.

حماكِ الله من فتنة الرياء، وقرّبك من حقيقتك الجميلة.

التواضع الحقيقي لا يحتاج إعلانًا ولا ينتظر تصفيقًا، بل يُقاس بصدق النية وغياب الحاجة لإثبات الذات أمام الآخرين.

وما نُخفيه خلف كلمات التواضع قد يكون مرآة لحاجة داخلية، لا تزول إلا بالمواجهة الصادقة مع النفس.

صدقت … التواضع الحق صامت، لا يطلب ضوءًا ولا يلوّح بلافتة. والمواجهة الصادقة مع النفس هي المرآة الوحيدة التي لا تُزيّف الصورة.

ولسنا بحاجة إلى قول "أنا متواضع"، بل أن نصمت حتى نُشفى من الحاجة لقولها.

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم