كيف يمكننا اختيار الحكم المناسب للموقف المناسب؟

في كتابها (دليل التدريب على مهارات العلاج السلوكي الجدلي) تخبرنا مارشا لينيهان، أستاذة علم النفس بجامعة واشنطن، إن هناك نوعين من الأحكام: الأحكام التمييزية، والأحكام التقييمية.

الأحكام التميزية: تصف الواقع كما هو، بدون مبالغة أو تحيّز أو تقييم عاطفي.

والأحكام التقييمية: تتضمن تقييماً أو موقفاً عاطفياً تجاه الواقع (أي تضيف مشاعر أو رأي شخصي).

فلو تأخر علينا أحد الأشخاص، يكون الحكم التمييزي هو: إنه قد تأخر.

بينما يصير الحكم التقييمي هو: إن هذا الشخص لا يحترمني، أو إنه شخص أناني لا يهمه أن أصاب بضيق من انتظاره.

قد تكون الأحكام التمييزية محايدة، لكن لو فكرنا قليلاً سنجد إننا لا نستطيع أن نعيش بدون أحكام تقييمية، فلو كان الشخص الذي يتأخر علينا يعلم بالفعل إننا نقدس المواعيد ويظل يتأخر رغم ذلك، فلن نكون كالآلات وقتها بل من الطبيعي أن نصاب بالضيق ونتخذ موقف لتعديل ذلك الوضع؛ إما بتنبيه الطرف الآخر أو بتجنب تحديد مواعيد معه من الأساس.

وتنطبق تلك الأحكام على مجال حكمنا على ذواتنا أيضاً، فلو وجدنا إن عملنا لا يرقى للمعايير المطلوبة؛ قد ننظر إلى إن العمل ينقصه بعض التحسين (كحكم تمييزي)، أو نلتفت إلى كوننا مقصرين أو غير منتبهين (كحكم تقييمي) على ذواتنا.

بعد معرفتنا بنوعي الأحكام؛ من خبراتكم وتجاربكم: كيف يمكننا اختيار الحكم المناسب للموقف المناسب؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

اختيار الحكم المناسب يكمن في الوعي الذكي بذاتنا وبالموقف، والقدرة على الفصل بين "ما حدث" وبين "ماذا يعني لي ما حدث". في حالة تأخر شخص ما، البدء بحكم تمييزي بسيط مثل "لقد تأخر" يمنحنا مساحة لالتقاط الأنفاس وجمع المعلومات قبل القفز إلى استنتاجات تقييمية قد تكون خاطئة أو مبالغ فيها. لكنني أتفق معك تمامًا أنه من غير الواقعي والمطلوب أن نكون مجرد آلات باردة لا تتأثر بما يحدث، فمشاعرنا وردود أفعالنا جزء أصيل من طبيعتنا الإنسانية، خاصة عندما يتعلق الأمر بقيمنا وحدودنا الشخصية. لذا، ربما تكون الحكمة في السماح لأنفسنا بالشعور بالضيق أو الانزعاج عندما تتكرر المواقف التي تمس هذه القيم، ولكن مع محاولة توجيه هذا الشعور بشكل بناء، سواء بالتعبير الواضح عن توقعاتنا أو باتخاذ قرارات تحمي راحتنا النفسية في المستقبل.

قد حدث معي مؤخراً أكثر من موقف كذلك، واحد على منصات العمل الحر، وقمت بإبلاغ مركز المساعدة، والآخر في الحياة الواقعية.

بالنسبة لموقف الحياة الواقعية كان لدي شريك كان يتأخر بالشهر في كل مهمة، وحاولت أن أحتفظ بحكمي غير تقييمي، وأتممت دوري في هذه الشراكة وحان دوره، وأكتشفت بعد فترة 3 شهور أنه لم يبدأ دوره بعد في المهمة الأخيرة له.

لذلك رغم معارضتي لتدخل العواطف التقييمية، لكنها ترسل لنا أدلة حقيقية ينبغي أن نفكّر فيها ولا نهملها.

BasmaNabil17 أضف ردا

أصبحت أدرب نفسي على لعبة ذهنية بسيطة، كلما واجهت موقفًا يثير انفعالي، أتخيل أني مذيعة نشرة أخبار يجب أن يصف ما حدث دون أن يُغضب أحدًا.

وهذا يساعدني على التمييز بين الوصف والتقييم، وبعدها أعطي نفسي مساحة لأشعر بما أريد لكن بوعي، ثم أقرر: هل الموقف يستحق رد فعل أم مجرد ملاحظة؟ أحيانًا نحتاج التقييم لاتخاذ موقف يحفظ كرامتنا أو وقتنا، وأحيانًا يكفينا التمييز لنحافظ على هدوئنا ونستمر، والمفتاح بالنسبة لي هو أن أختار الحكم الذي يخدمني لا الذي يستنزفني.

قد لا نحتاج الحكم التقييمي لحفظ كرامتنا، فاحتفاظنا بهدوئنا وأحكامنا التمييزية قد يساعدانا على وضع حدود لا يتخطاها أحد، برأيي كرامة الإنسان لا يمكن مسها إلا لو الإنسان سمح لشعور جرح الكرامة أن يتسلل إليه، لكن صلابة الإنسان ستمنع أن يصل أحد أن يتم اعتباره أساء لكرامتنا، ويظل مع ذلك التصرف الصحيح هو وضع الحدود وتنبيه كل من تسول له نفسه أن يعبر هذه الحدود، وإلا تصبح الدنيا فوضى.

الموضوعية والحياد هم اساس الاحكام الصحيحة في اي موقف .. فان تأخر انسان عن موعده سيكون موضوعيا ان اغفر له مرة او اثنتان ولكن من بعدها يجب ان يكون لي مواقف حازمة في هذا الشأن وان تجاهلت الموقف سيكون هذا انحيازا له دون غيره..

ذلك صحيح، وأعتقد أن أسوأ أنواع التأخيرات هي تأخير الحقوق على أصحابها، لكن أحياناً يضطر الإنسان للقبول لعدم وجود بديل، فلو نظرنا إلى ندرة الوظائف في بلد محدد، ووجد شاب وظيفة تؤخر المرتب كل شهر لكنها تدفعه في النهاية، فماذا سيكون من اختيارات أمام الشاب ليضع حدود أو يكون له موقف حازم؟

غالباً ما نلجأ إلى الأحكام التقييمية أولاً لأنها ترضى جانبنا العاطفي، لا سيما في المواقف التي تمسّ كرامتنا أو تعبنا. لكن اتخاذ الحكم المناسب يبدأ بتأجيل ردّ الفعل، حتى نتيح لأنفسنا فرصة المرور بالحكم التمييزي أولاً، لأنه يكشف لنا المعطيات المجردة التي يمكننا أن نبني عليها تصرفاً أكثر وعياً ورشداً. بدأت ألاحظ أن الحكم التقييمي في لحظات الانفعال يكون في الغالب غير دقيق أو مبالغاً فيه، وحين أعود لاحقًا لأراجع الموقف بهدوء، أجد أن الشخص لم يكن يقصد ما ظننته، أو أن هناك ظرفاً لم أكن على علم به. والتدرّب على تجاوز ذلك يبدأ بسؤال بسيط أطرحه على نفسي قبل إصدار أي حكم: "هل أرى الواقع كما هو؟ أم أراه من خلال مشاعري في هذه اللحظة؟"

عدم التسرع في اتخاذ رد فعل هو فعل ذكي، لكنه أحياناً يضيع الحقوق، فبعض المواقف تستدعي رد فعل فوري وحازم، وإلا سيضيع الحق من وراءها.