سببان إضافيان لهجر عالم المشهّيات الرقمية

  • HamzaSalim

لا يجب أن نملّ المنشورات التي تتحدَّث عن اللجوء إلى كهف الإنعزال هربًا من الحياة السريعة في مواقع التواصل الاجتماعي. فالقراءة في هذه المواضيع يجب أن تكون من الوِرد اليومي، تذكيرًا لمستخدم الإنترنت أنَّ الحياة على الجانب الآخر أبطأ، أجمل وأهدأ.

حتَّى لو قدَّم كل منشور رؤية من زاوية جديدة فقط، أو أضاف مثالًا جعلك تؤمن بفكرة هجر الشبكات الاجتماعية، بل حتَّى لو قدَّم تعبيرًا أنيقًا جديدًا، كل هذا مُفيد، كل هذا يُذكّرنا بأنَّ حياة السُرعة الرقمية هي حياة لا تُراد. في هذا المقال أُقدِّم سببين إضافيين في هذا الغرض، قد تكون تعرفها بالفعل إن كُنتَ تجرِّب دائمًا أن تنعزل لفترة، لكن إعادة ذكرها ستجعلك أقرب لفعل ذلك مرّة أخرى.

ملل أكثر

أحد المزايا التي تأتي مع التخلّي عن شبكات التواصل الاجتماعي هو وقت أكثر للملل. ملل؟ أليس هذا أمرًا سلبيًا يُفرُّ منه؟!

لا. في عالمنا الرقمي السريع، أصبحَ التشتّت الخيار الافتراضي لوقت العُزلة، عند حلول أي وقت فيه شيء من الانتظار، نتلقّى هواتفنا بهلفة، ولا يُلام أحد في هذا، لقد صُرفت الملايين في زيادة "لهفة الهواتف" من خلال الخوارزميات والمُشهيّات الرقمية!

عندما يتبدَّد الملل من حياتك، ستفقد تلك القدرة على الجلوس وحيدًا والتفكير، التفكير بنفسك وعالمك المحيط، هذا التفكير الذي يجعلك تبوِّب أفكارك وتجاربك، ترتِّب صالحها وطالحها، تمزج ما مررت به في الفترة الأخيرة لشيء ينسجم مع القيم التي تؤمن بها. الملل والعزلة تجعلانك إنسانًا أفضل.

الملل الذي أتحدَّث عنه هو الذي يأتي عندما تشعر بجُرعة خوف من الجلوس وحيدًا مع راسك وأفكارك، ولا أقصد الملل الذي يأتي بعد مشاهدة الحلقة رقم 7 تواليًا من مسلسل على نتفليكس! الملل الأصلي هو الذي سيدفعك للقيام بنشاطات جديدة مفيدة، كما لو شعرتَ بالجوع، ألن تهمَّ بالزاد الذي يسدُّه؟!

القلق أكثر

أنت تُفكِّر بما تنتبه له، وفي العالم الرقمي تنتشر في يوم واحد أخبار قد لا تستطيع قراءتها ولو خصّصت لذلك عُمرك كلّه! الذي تفعله الخوارزميات هو أنّها تُنقِّي لك بعض هذه الأخبار، خصوصًا التي تعرف -عن طريق تاريخ من التجربة- أنّها تهمُّك.

دماغك سيحاول أن يفهم ما يجري حوله، يحاول أن يفهم طبيعة الأخبار وخلفياتها، سيستهلك جزءًا من قدراته المنطقية في ذلك، ثمَّ بعد هذا أتريده يسكت على قصَّة ظلم، أو حدث مستفزّ أو جناية شنيعة؟ سينخرط عاطفيًا في جميع تلك الأحداث.

المحصلة أنّك ستشغِّل عقلك، ستسهلك مواردك المنطقية والعاطفية، وقد لا تمسّك أو عائلتك بشكل مباشر معظم تلك الأحداث أصلَا.

تويتر مثلًا، عالم مخيف، هل تنتبه إلى ثقافة الغضب التي تتصاعد مع الترندات المُقترحة؟ إنّه عالم يختارُ مجرمًا كل يوم، يُحاكمه بأشدّ العقوبات، فيخرج من خلف المجرم جماعة تدافع عنه، فيقتتل الأشياع والأنصار، وتتساقط الجثث والقتلى.

إنّه عالم يحتفي بشخص كل يوم، فيصيّره رمزًا تُرمى دون نعله الورود، ثمَّ يخرج من خلف ذاك البطل جماعة يكرهونه، ويقصّون ماضيه القديم وتصرّفاته الشنعاء، فيقتتل الأشياع والأنصار، ويعلو الغبار الرقمي، وتُسفك الدماء الديجتال!

هل وجدت مستخدمًا دوريًا لتويتر سعيد بما هناك؟

طيّب، سآوي إلى جبل يعصمني، سآوي إلى انستغرام، حيثُ الغواني ينشرن الصور التي تُعجب عينَ الناظر المتوسِّم، وصور حيوات الناس الهادئة تُنشر وتُفلتر.

حسنًا، هذا أيضًا ممّا يزيد القلق، عندما ترى أنَّ حياة فُلان مُنسَّقة وتسير بشكل رومانسي هادئ، ألن تشعر بالقلق على نفسك، إذ تُعاني حتَّى في ضبط أبجديات حياتك؟

لا هنا ولا هناك، فلتبقَ في مكانك، عِش عالمك أنت، عالم الناس الذين تعرفهم، الأصدقاء الذين ينشغلون بالامتحان القادم، أهلك الذين يُجهّزون لعودة أقربائهم من الخارج ليحتفون بهم. إبقَ بينهم، هذا العالم متوقَّع أكثر، أبطأ، وحتمًا أفضل بكثير.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

حسنًا يا حمزة، أنا من أولئك الذين ذاقوا متعة الانعزال والابتعاد عن صخب مواقع التواصل الإجتماعي وعن قلق السعي للأفضل من خلال ركوب موجات الترند والتصفيق للأعلى مشاهدة.

لكن لنفترض أنني أفكر في بناء بيزنس في العالم الرقمي، لأن الواقع ينبذني ويرفض أفكاري فوجدت تويتر ملجأ لأعبر فيه عن رأيي، حتى وإن تمّ جلدي بين الحين والحين، ولازالت نفسي تنازعني للعودة للعزلة، لكنني أحتاج إلى العمل الحر وتلك المواقع فماذا أفعل؟

لقد عانيت مثلك يا دليلة، حيث أنني شخص يتأثر بما يتعرض له في مواقع التواصل الاجتماعي لكنني في ذات الوقت أحتاجها في العمل وحتى في الدراسة، لكنني مع الوقت مرنت نفسي على عدم الاكتراث لما أشاهده واقرأه، وكذلك قللت التصفح كثيرًا، لأنه حين يبدأ المرء بالتصفح لا ينتهي بسبب الخوارزميات التي تغذي المحتوى الذي تشاهده أو تتفاعل معه، أيضًا إغلاق الإشعارات القادمة من هذه التطبيقات ساعدني في امتلاك وقتي أكثر، فلا يمكن لأي إشعار أن يقاطع أي جلسة أو عمل أقوم به، فأنا من يتحكم بالوقت الذي أحب أن اتصفح أو أعمل به أو أتفاعل وليس العكس

لقد عانيت مثلك يا دليلة، حيث أنني شخص يتأثر بما يتعرض له في مواقع التواصل

لكن يا زينة أنا حتى مع كتم الاشعارات وغيرها، تأتيني رغبة عارمة في إطفاء كل شيء والبقاء بعيدا عن كل ما هو تكنولوجي، لكن حين تفكرين في العمل قد تخسرين عملاء أو فرص أفضل، فكيف السبيل للتوازن؟

هنا يكمن التحدي، فعصرنا يفرض علينا التفاعل الرقمي، وليس من المنطقي الانعزال عن التفاعل الرقمي، بل يجب التأقلم ، وتخصيص وقت ولو كان قصيرًا كل يوم أو عدة أيام أو أسبوع بعيدًا عنها، والحرص أن يكون هذا الوقت ذا جودة مرتفعة، فيشحن طاقتك ويمنحك القدرة على الاستغراق في التفكير في نفسك وأمور حياتك، أو حتى عدم التفكير... حسب حاجتك خصصي هذا الوقت

في البداية سيكون ذهنك مشتتًا ولكن مع التعود ستصبح النتائج أفضل

لكنني أحتاج إلى العمل الحر وتلك المواقع فماذا أفعل؟

اقترح أن تقرأي كتاب Digital Minimalism لكال نيوبورت.

تستطيعين استخدام تويتر وتطويعه ليكون اداة لترويج عملك الحر، بوقت انتِ تحدديه وطريقة انتِ تختارينها.

الكلام النظري سهل، التطبيق صعب، لهذا أنصحك بالكتاب فهو عرض هذه المشكلة وغاص فيها وأجاد.

أزمتي مع مثل هذه الأفكار يا حمزة هو انعزالها عن التطبيق في معظم الأحيان. علينا الاعتراف بأن التعامل مع مثل هذه الأفكار كي يتم تطبيقها شيء بعيد المنال، لأن منتجات منصات التواصل الاجتماعي وغيرها من الإفكار التي على هذه الشاكلة لا تمثّل إلّا ميزة واحدة لا يمكن قهرها بالطرق الكلاسيكية، وهي سرعة الانتشار، وبالتالي فإن بثّ أي فكرة من أي نوع، حتى وإن كانت حول اعتزال السوشيال ميديا أو تقنينها، لن ينتشر بالطريقة المطلوبة إلّا من خلال هذه المنصات نفسها، لذلك فأنا أرى أن امتلاك هذه المنصات لتلك الميزة هو بمثابة هزيمة مؤكّدة، حيث أن هذا الاعتزال لا يمكن تطبيقه إلّا إجباريّا.

بالإضافة إلى ذلك، أرى أن هذا المسار يجب أن يتم بتقنين الاستخدام، لا بالانعزال، حيث أن التعامل مع منصات التواصل الاجتماعي بالتأكيد له منافعه غير المسبوقة، والتي بالتأكيد لها ضرائبها.

 لأن منتجات منصات التواصل الاجتماعي وغيرها من الإفكار التي على هذه الشاكلة لا تمثّل إلّا ميزة واحدة لا يمكن قهرها بالطرق الكلاسيكية

أتفق معك في هذه يا علي.

بالإضافة إلى ذلك، أرى أن هذا المسار يجب أن يتم بتقنين الاستخدام، لا بالانعزال، حيث أن التعامل مع منصات التواصل الاجتماعي بالتأكيد له منافعه غير المسبوقة، والتي بالتأكيد لها ضرائبها.

لكن كيف ستوافق بين هذه والأولى؟ يعني كيف ستأمن على نفسك أنّك "ستقنّن" الإستخدام، مع وجود مئات الملايين المصروفة على هذه الصناعة لهندسة الانتباه والاستحواذ عليه؟ أرى أنَّ عدم الاستخدام أسهل من تقنينه.

بالفعل المواقع الرقمية استحوذت على حياتنا وأحلامنا وطموحاتنا، حتى الشخص منا أصبح يهتم بشخصيته الإفتراضية ويُهمل حياته الطبيعية، أصبحنا نقضي ساعات طويلة فقط في الجلوس ومشاهدة فيديوهات لا نختارها نحن حتى، وإنما تختارها تلك الخوارزميات التي تتبع إهتماماتنا وتعرض كل ما يشابهها، هذه النقطة بالتحديد يجب علينا الحذر منها في ما يخص إهتماماتنا على مواقع التواصل الإجتماعي والمواقع الإلكترونية، فأي بحث أو مشاهدة لفيديوهات مشبوهة قد يؤدي إلى مراقبة كل تحركاته وهواتفه ومكالماته وما إلى ذلك، وأما عن دور الناس في جعل تلك المواقع أخطر يكمن في نشرهم لكل ما هو إيجابي "حتى الإيجابية قد تكون سلبية بمنظور آخر!" فنشر الأشخاص لحياتهم اليومية السعيدة كما قلت، يحفز عامل الغضب وعدم الرضا عن النفس عند مشاهدة الآخرين لتلك الحالات أو المشاركات.

وأتفق معك في أنّ العالم الرقمي يُبدد حياتنا بسرعة ويجعلها متلاشية على اللاشيء، وأما الحياة الواقعية فهي جميلة حتى في أوقاتها المملة، فعلى الأقل نعيش لحظات حياتنا بأكملها مع من يحبوننا ونحبهم، وهذا ما أرجو.

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

عبد الله هي فعلا صعبة، وكما أشرت في مثال السكر أمر لا يستطيعه الجميع.

والأمرُ كما قلت، موازنة وتضحية.

هناك من لن يتحمَّل التضحية بمواقع التواصل في سبيل "جودة أفكار أفضل" وهناك من سيتحمّلها.

هناك من يمسك العصا من الوسط ويضحّي بمقدار حتى لا يفقد جميع مزايا تلك الشبكات، وهذا سلاح ذو حدين، قد تُجيد فعل ذلك حقًا، وتكون بمزايا أفضل من صاحب الانعزال، وقد تأتيك أيّام تصرف اليوم كله على هذه الشبكات، فتنتكس أكثر ممّن يستعملها كل يوم.