في مساءٍ كئيب، جلس طفلٌ غزّيٌّ على رُكامِ منزله، ممسكًا برغيفٍ من رغبةٍ، لا من دقيق، يتأمل السماء التي لم تُمطر غير القذائف، ويُصغي لهواءٍ ينوح من وطأة الجوع، كأنّه يشارك أهله أنينهم.

إلى جواره، جدارٌ يتيمٌ من الإسمنت، لم يُقصف، صار أنيسه الوحيد...

وما أغناهُ هذا الطفل لو تناول في إفطاره بيانًا، وفي غدائه تصريحًا، وفي عشائه خطبةً ناريّة من أحد الزعماء!

وما ألذّ البيانات حين تُلقى في قصورِ الحكم، بين أطباقٍ مذهّبة، وتحت ثُريّاتٍ تضيء بترف، كأنّها تشمتُ بظلامِ غزّة وانقطاع كهربائها!

في غزة، الجوعُ ليس شعورًا داخليًا، بل سياسةٌ مفروضة، مختومةٌ بالعجز العربيّ الأنيق، الملفوف بورقِ الشجب، والموقَّع بختمِ "نُتابع بقلق بالغ"، كأنّ القلقَ وجبةٌ سحرية، تُغني الرضيعَ عن اللبن، وتُشبع الطفلَ عن الرغيف.

تُقال "المساعي الدبلوماسية مستمرة"، لكنها مساعٍ تائهة، تتخبط في دهاليز البروتوكول، تخشى أن تطأ الواقع، أو تلامس الجرح.

والأنكى من ذلك، أن المأساة لم تعُد في الجوع ذاته، بل إمكانِ فرجه واعتياد الإخوة على رؤيته...

نقولُ كثيرًا: "نحن معكم"... ثم نعودُ إلى ولائمنا العامرة والدَسمِ والخمول...

أتُصدّق أن رغيفَ الخبزِ غدا أمنية؟

أن أمًّا تقايض خاتم زواجها بكيس طحين؟

أن الكسرة تُورَّث كأنّها جواهر، تُقسَّم بين الأبناء كما تُقسَّم المغانم؟

وما يزال القوم منشغلين بـ"حلولٍ شاملةٍ طويلةِ الأمد"

غزة ليست بحاجة إلى بيانٍ خجولٍ ولا إلى فقرةٍ باهتة في نشرةِ أخبارٍ مسائية.

هي بحاجة إلى قمح، إلى دواء، إلى يدٍ تمتدُّ بالعون لا بالتنديد.

لكننا، نحن العرب، قد برعنا في كل شيءٍ... إلا الفعل.

نكتب القصائد عن صمودها، وننقش أسماء شهدائها على جدران الفخر، ونتغنّى بها في الأغاني الوطنية، ثم، حين تموت جوعًا، نُغني أكثر... ونأكل أكثر.

ولكأنّا فقدنا ذاكرتنا، أو طوينا صفحاتٍ كانت يومًا عزًّا لنا...

أين ذهبتم بقصة مجاعة ذي المجاز؟

حين قحطت الأرض في الحجاز، وجفّت العيون، وهلك الزرع والضرع، خرج وفدٌ من العرب إلى النعمان بن المنذر، يستغيثون، فما توانى، ولا انتظر مؤتمرات:

"أما والله، لو لم يبقَ في بيت مالي غير حفنة تمر، لأشركتكم فيها.

فلا كرامة لي إن جُعتم، ولا شرف لي إن هلكتم وأنا أنظر."

فأرسل القوافل تلو القوافل، ثم بعث إلى القبائل يقول:

"جوعُ العرب جوعٌ لنا، وذلّهم ذلّ لأحسابنا، فأنجدوهم تُنجدوا."

فتسابق الناس بالعطاء، وجاءت الإبل محمّلة بالمؤن من كل صوب، حتى قال شاعرٌ من هُذيل:

وسارَتْ لنا الأحمالُ من كلّ ناصبٍ

تُـجاوبنا الأرحامُ قبل المذاهبِ

فحمداً لمن سنّ المروءةَ في الورى

وجادَ على الجُوّاع من دونِ طالبِ

فأين نحن اليوم من تلك المروءة؟

أين من كان يرى الجائع عارًا عليه قبل أن يكون وجعًا لغيره؟

أين أولئك الذين كانت نخوتهم تسير قبل خُطبهم، وأيديهم تُمدّ قبل أن تُرفع أصواتهم؟

سلامٌ على غزّة...

سلامٌ على الأطفالِ الذينَ ينامون على الطوى، فلا توقظهم إلا القذائف...

وسلامٌ على نخوةِ العرب، إن بقي منها بقية...