القلب هو موضع الصفاء والنقاء، وهو محط نظر الله في عباده، فإذا صلح، صلح الجسد كله، وإذا فسد، فسد الجسد كله. ومن أعظم ما يفسد القلوب كثرة الطعام، فإن الشبع المفرط يجعل النفس خاملة، والقلب قاسيًا، والعقل بليدًا، ويورث الكسل عن الطاعات والانشغال بالشهوات.

يقول رسول الله ﷺ: "ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" (رواه الترمذي).

كيف تفسد كثرة الأكل القلب؟

  1. قسوة القلب: امتلاء المعدة يورث الغفلة، فمن تعود الشبع المستمر، ضعف تأثره بالمواعظ، وصار قلبه ثقيلًا عن الذكر، يقول الحسن البصري: "ما أصبحتُ ببطن شبعان إلا وجدتُ على قلبي قسوة."
  2. الكسل عن الطاعات: من أفرط في الطعام، تثاقل عن القيام، وضعف عن الصيام، وكان أقرب للكسل منه للنشاط، فالجسد إذا حمل فوق طاقته، خارت قواه عن العمل.
  3. تحريك الشهوات: كثرة الأكل تغذي الشهوات، وتشغل النفس بالمباحات حتى تجرّها إلى المحرمات، ولهذا قيل: "من أكل كثيرًا، شرب كثيرًا، فنام كثيرًا، فخسر كثيرًا."
  4. إضعاف اليقظة الروحية: الجوع يكسر النفس ويهذبها، أما الامتلاء الدائم، فيصرف القلب عن التأمل والخشوع، ويجعل صاحبه في غفلة عن معاني الزهد والتقوى.

الطريق إلى تصفية القلب من أثر كثرة الأكل

  • التقليل من الطعام: بأن يكتفي الإنسان بما يقيم صلبه دون إسراف، فينال بذلك خفة الروح، وسلامة القلب، ونشاط البدن.
  • الصيام والاعتدال: الصيام يطهر القلب، ويكسر الشهوات، ويعين على التقوى.
  • تذكر الفقراء والجائعين: فهذا مما يرقق القلب، ويجعل الإنسان يشعر بنعمة الله عليه، ويدفعه للبذل والعطاء.

يقول الإمام الشافعي: "الشبع يثقل البدن، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة."

اقتباسات:

روى أسد بن موسى من حديث عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: أكلت ثريدا بلحم سمين فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أتجشأ، فقال: « كفَّ عنا جشاءك، فإن أكثرهم شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة »، فما أكل أبو جحيفة بملء بطنه حتى فارق الدنيا، وكان إذا تغدى لا يتعشى وإذا تعشى لا يتغدى.
" والنهي عن الجشاء نهي عن سببه وهو الشبع، وهو مذموم طبا وشرعا، كيف وهو يقرب الشيطان ويهيِّج النفس إلى الطغيان، والجوع يضيق مجاري الشيطان، ويكسر سطوة النفس، فيندفع شرهما، ومن الشبع تنشأ شدة الشبق إلى المنكوحات، ثم يتبعها شدة الرغبة إلى الجاه والمال اللذان هما الوسيلة إلى التوسع في المطعومات والمنكوحات، ثم يتبع ذلك استكثار المال والجاه وأنواع الرعونات وضروب المنافسات والمحاسدات، ثم يتولد من ذلك آفة الرياء وغائلة التفاخر والتكاثر والكبرياء، ثم يتداعى ذلك إلى الحسد والحقد والعداوة والبغضاء، ثم يُفضي ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغي والمنكر والفحشاء والبطر والأشر، وذلك مُفضٍ إلى الجوع في القيامة وعدم السلامة إلا من رحم ربك ".
قال ابن حجر: " قيل: المراد حض المؤمن على قلة الأكل إذا علم أن كثرة الأكل صفة الكافر، فإن نفس المؤمن تنفر من الاتصاف بصفة الكافر، ويدل على أن كثرة الأكل من صفة الكفار قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ ﴾ [محمد: 12].
إن كثرة الطعام ما هي إلا علامة على قسوة القلب وطريق مُمَهَّد موصل إلى موته، لذا غفل قساة القلوب عن سبب رئيسي لإفراطهم في الطعام وبالتالي جهلوا سبب القساوة.

ختاما:

فليكن طعامك وسيلة للقوة، لا سببًا للغفلة، فإن القلب الناقي هو الذي يجد لذة الإيمان، وهو الذي ينير طريق صاحبه إلى الله.