آخر مرة أرسلت فيها رسالة لشخص وتأخر كثيراً في الرد عليك، غالباً ما التمست له العذر وقلت في نفسك: "لابد أنه مشغول جداً"، أو "ربما قرأها من الإشعارات ونسي الرد".
ولكن، لو واجهت نفسك بصدق ووقفت أمام المرآة قليلاً: هل تقوم أنت أحياناً بنفس هذا السلوك؟ هل تفتح هاتفك، تقرأ الرسالة، وبإمكانك الرد في ثوانٍ معدودة، لكنك تقرر بوعي كامل: "سأرد لاحقاً"؟
خلف هذا التصرف البسيط اليومي، يختبئ دافع نفسي عميق ومعقد يتجاوز فكرة "الانشغال"، وهو ما يُعرف في علم النفس بـ "وهم السيطرة" (Illusion of Control).
التعويض النفسي: عندما تصبح "الرسالة" ساحة للسيادة
العديد من الأشخاص يمرون بفترات يشعرون فيها بفقدان السيطرة على مسارات حياتهم الكبرى؛ ربما مدير متسلط يتحكم في وقتهم، أو ظروف مالية ضاغطة، أو قرارات أسرية تُفرض عليهم.
عندما يفقد الدماغ السيطرة على "الأشياء الكبيرة"، فإنه يبدأ فوراً في البحث عن تعويض، فيلجأ إلى ممارسة السيطرة على "الأشياء الصغيرة". ومن أصغر وأسهل الأشياء التي يمكن التحكم بها اليوم هي: قرار متى أرد على رسالة.
يبدأ العقل اللاواعي في إرسال رسائل خفية تُغذي الأنا:
- "أنا من يقرر متى يبدأ الحديث ومتى ينتهي."
- "أنا لست متاحاً طوال الوقت، وقتي ثمين."
- "دعه ينتظر قليلاً، ليُدرك أنني لست رهن إشارته."
هذا السلوك ليس بالضرورة "غروراً" أو سوء نية، بل هو محاولة بائسة من الدماغ ليثبت لنفسه أنه لا يزال يمتلك زمام المبادرة، وأنه ما زال "مسيطراً" على مساحته الخاصة.
الخط الفاصل: بين "رسم الحدود" و"تضخم الأنا"
قد يدافع البعض عن هذا السلوك بحجة "حماية الصحة النفسية" وعدم الرغبة في التواجد الرقمي المستمر. وهذا حق مشروع، ولكن يجب التفرقة بوضوح بين أمرين:
- الحدود الصحية: أن تؤجل الرد لأنك مُرهق فعلياً، أو تحتاج إلى مساحة للراحة والابتعاد عن الشاشات، أو لأن الرد يحتاج إلى تركيز غير متوفر حالياً.
- وهم السيطرة (تضخم الأنا): أن تؤجل الرد رغم أنك ممسك بهاتفك، تتصفح وسائل التواصل، وتشاهد القصص (Stories)، وتتعمد ترك الشخص الآخر في حالة انتظار فقط لتشعر بنوع من "الأهمية" أو النفوذ.
الثمن الباهظ للسيطرة الزائفة
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول "وهم السيطرة" إلى عادة يومية (Pattern).
في كل مرة تتعمد فيها تأخير الرد لتشعر بنشوة السيطرة، أنت في الواقع ترسل للطرف الآخر رسالة صامتة وقاسية مفادها: "أنت لست من أولوياتي".
الرسالة النصية في علم نفس العلاقات هي "محاولة للتواصل" (Bid for Connection). التجاهل المتكرر لهذه المحاولات يكسر جسور الود، ويخلق مسافات باردة بين الأصدقاء والأحبة. وفي النهاية، تجد نفسك قد خسرت علاقات إنسانية دافئة ومهمة، مقابل إحساس زائف ومؤقت بالنفوذ والسيطرة.
سؤال للوعي
التعافي من هذا الفخ يبدأ بالانتباه. في المرة القادمة التي تنظر فيها إلى شاشة هاتفك، تقرأ رسالة، وتهمّ بأن تقول لنفسك "سأرد لاحقاً".. توقف للحظة واسأل نفسك بصدق ووعي:
"هل هذا قرار واعي لأنني أحتاج فعلاً إلى مساحة ووقت؟ أم أن دماغي يحاول فقط أن يشعر بأنه مسيطر؟"
إجابتك الصادقة على هذا السؤال هي ما سيحدد ما إذا كنت تدير هاتفك، أم أن عُقَدك النفسية هي التي تدير علاقاتك!