" الوالدية : قلب الأدوار النفسية عند الطفل وأثره على النمو العاطفي"

في إطار علم النفس التنموي والأسري، تبرز ظاهرة "الوالدية" " Parentification " كإحدى أبرز الديناميكيات العلائقية المختلة التي تؤثر على النمو النفسي والاجتماعي للطفل. يُقصد بـ "الوالدية "Parentification " تحميل الطفل مسؤوليات انفعالية أو عملية تفوق مرحلته العمرية، ما يجعله يتقمّص دور الراشد أو أحد الوالدين داخل النظام الأسري، بدلاً من أن يكون المتلقّي للرعاية والدعم.

يُصنّف هذا النمط ضمن أنماط العلاقات الأسرية غير المتوازنة التي تؤدي إلى اضطراب في الهوية وتشوّه في تكوين الذات، خاصة حين يستمر دون تدخل أو تصحيح.

وفقًا لجوركوفيتش (Jurkovic, 1997)، الذي يعد من أبرز الباحثين في هذا المجال، فإن "الوالدية Parentification " يُقسم إلى نوعين رئيسيين: الأول هو التقمص الوالدي العاطفي (Emotional Parentification)، والذي يتضمن قيام الطفل بأدوار داعمة نفسيًا لأحد الوالدين، كأن يستمع لهموم الأم، أو يطمئنها، أو يواسيها في غياب الدعم الزوجي؛ أما النوع الثاني فهو التقمص الوالدي العملي (Instrumental Parentification) ، حيث يُجبر الطفل على أداء أدوار عملية مثل رعاية الإخوة، أو تحمّل أعباء مالية أو منزلية.

و كلا النوعين يؤديان إلى إرباك في النمو العاطفي والمعرفي للطفل، إذ يُطلب منه أن يؤدي أدوارًا تتطلب نضجًا لا يمتلكه بعد، مما يجعله يكبت حاجاته الانفعالية، ويطوّر آليات دفاعية كالنضج الظاهري الزائف أو الكمالية المفرطة.

تُظهر الدراسات أن الأطفال الذين نشأوا في بيئات يتكرر فيها Parentification يكونون أكثر عرضة لتطور اضطرابات التعلق غير الآمن ، مثل التعلق القلق أو التجنبي، ويعانون في الرشد من صعوبة في التعرف على احتياجاتهم الشخصية ، كما يميلون إلى الانخراط في علاقات تتسم بعدم التوازن العاطفي، حيث يشعرون بأن قيمتهم تُقاس بمقدار ما يقدمونه من دعم للطرف الآخر (Hooper, 2007). هذه الديناميكية تترك أثرًا طويل الأمد في البناء النفسي، إذ غالبًا ما يُظهر هؤلاء الأفراد مستويات مرتفعة من القلق، التوتر المزمن، واضطرابات المزاج ، بالإضافة إلى صعوبات في وضع الحدود النفسية في العلاقات الشخصية.

على المستوى العصبي والنفسي المعرفي، تشير أبحاث حديثة إلى أن الأطفال الذين يُجبرون على أداء دور الراشد يُطوّرون استجابات مفرطة للتوتر، نتيجة "فرط تفعيل محور HPA (Hypothalamic–Pituitary–Adrenal axis)" ، مما يرفع مستويات الكورتيزول لديهم باستمرار، ويؤثر على مرونة الجهاز العصبي المركزي، ما يزيد من قابلية الإصابة بالاكتئاب والقلق في مراحل لاحقة (Luecken & Appelhans, 2006).

ولا يقتصر تأثير "الوالدية " " Parentification " على النمو الفردي فقط، بل يمتد إلى النمو الاجتماعي، حيث يعاني الأفراد في علاقاتهم المهنية والزوجية من خلل في الأدوار وتكرار نمط "المنقذ" ، ويجدون صعوبة في طلب المساعدة أو الاعتراف بالضعف. وغالبًا ما يشعرون بالذنب عند ممارسة الرعاية الذاتية، لأنهم قد تعلّموا مبكرًا أن حب الآخر مشروط بالعطاء والتضحية.

في الختام، فإن " الوالدية " " Parentification " هي حالة من الانقلاب في البنية النفسية تؤدي إلى نضج غير صحي ومزيف، ويجب التعامل معها باعتبارها نمطًا مؤذيًا للنمو لا يقل خطورة عن الإهمال أو العنف العاطفي، رغم أنه غالبًا ما يكون خفيًا ومقنعًا بالاحترام والاعتماد. من الضروري على الممارسين النفسيين، والمربين، والآباء أن يكونوا على دراية بهذا النمط، وأن يُعيدوا النظر في الرسائل التي يوصلونها إلى أطفالهم حول الحب، والمسؤولية، والاستحقاق، حتى لا يُحمّل الطفل ما لا يحتمله، وحتى لا يكبر وهو لا يعرف كيف يكون طفلًا.