فيلم Arrival.. الصدام لم يكن يومًا هو الحل!

  • ahmadhady

يعرض فيلم "أريفيل" أو الوافد من إنتاج عام 2016؛ لتهديد خطير يواجه الجنس البشري، حيث تمكنت عدة مركبات فضائية غير اعتيادية الشكل من أن تحط على كوكب الأرض في أجزاء مختلفة منه، أخذت تلك المركبات أشكالا ضخمة مريبة حثت البشر جميعهم على اختلاف منابعهم أن يتأهبوا وأن يستعدوا لمعركة ما.

الإنسان دائما في حالة قصوى من الافتراض السيء تجاه أي مجهول يلاقيه، هكذا يحاول الفيلم أن يبين وأن يقول، وعبر أبطاله ترد أسئلة من قبيل لماذا نفترض في تلك الكائنات الفضائية الشر لمجرد أننا لا نعلم عنها شيئا؟! لماذا يطغى الشعور بالخوف لدينا على الشعور بالفضول وإرادة الاستكشاف؟!

القادة العسكريين -كرمز للتعجل-جاهزين دومًا للحل الذي يتقنونه؛ وهو القتل وتصفية المنافس دون أن يعطوا مساحات الحوار أية فرصة ولو لاختبار النوايا، مساحات الحوار عادة ما ستحرمهم من الظهور في الواجهة كبطل مُخلص ومنقذ همام؛ لذا فهم على طول الأحداث ينفذون عبر أية احتمالية سيئة كي يُثبتوا ضرورة التدخل العسكري كحل لابد من تجرعه.

ثبت وجود كائنات فضائية داخل تلك الأجسام العملاقة، حيث تمكن أخيرا فريق من المجازفين من النفاذ إلى داخل تلك المركبة، كم الإثارة التي ستلاقيها في اكتشاف مجهول غير معتاد الهيئة أو التكوين لا يمكن وصفها أبدًا، لذا سأدع أحداث الفيلم حين تشاهده تخبرك.

كائنات غريبة الشكل دميمة قبيحة في مقايسنا، تظهر لك من وراء حجاب، تشير إليك بلغة كتابية مصحوبة ببعض الأصوات، لغة غير مفهومة تحتاج إذا لخبراء اللغة كي يحلوا طلاسمها، أخيرا تم البحث والتفتيش وإتاحة الفرصة لمتخصصة لغوية كي تحاول فك طلاسم ما جد من إشارات.

استوقفتني كثير من الأفكار اللامعة في هذا الفيلم الشيق، لكن أكثر ما جعلني لديه أتوقف بالتأمل والتحديق، كانت تلك الفكرة التي اقترحها أحدهم، والتي يمكن تلخيصها فيما يلي: "حين يواجهك مجهول تجافي أفعاله المنطق فلا تواجهه كحل أول؛ ولكن سر بجواره وتدرج".

وقد ضرب هذا الشخص مثالا من حياته يوضح ذلك، فقد بلغت أمه الكبر ودب في أفعالها الخرف والنسيان ووصلت إلى مرحلة صعبة من اختلاق أحداث وشخصيات لا وجود لها، وقد عمد هذا الشخص إلى مواجهة أمه بشكل صادم عبر إخبارها أن جميع ما تقوله لا أساس له من الصحة، لكن تلك المواجهة كانت تنتهي في كل مرة إلى صدمة وبكاء هستيري وازدياد في حصيلة المرض وآثاره.

مما دعاه إلى التفكير في انتهاج طريقة أخرى في معالجة الموقف، وهو السير بجوارها والتناغم الشديد مع ما تختلقه أو تدعيه، فإن لم تتحسن بتلك الطريقة حالتها وتسير إلى الشفاء، فعلى الأقل لن يستمع ثانية إلى هذا البكاء الهستيري.

وقد عمد فعلا إلى هذا الحل فسار معها في مساراتها الخيالية، وأخذ يناغمها ويشابهها في كثير مما تفعل، فكانت بسمتها شمس أشرقت على وجهه، وكانت تلك المسارات له بمثابة نزهة انفك بها عن أغلال الواقع وحّلق بعيدًا إلى حيث لا يتوقع، وأخذ الابن وأمه يستمتعان بالحياة كما لم يكونا من قبل.

لكل منا أبجديته الخاصة الخفية، وحين نناغم الآخر بأبجديته، يصبح سهلا جدا أن يستمع إلينا ويتجاوب مع أبجديتنا ومنطقنا، وبناء على هذه الفكرة كان سير العالمة اللغوية في محادثة الكائنات الفضائية، وكان التجاوب مذهلا وقاصما لآمال المتحفزين للقوة واستخدامها.

نحن في الغالب لا نحتاج أن نخاف من المجهول بقدر ما نحتاج أن نتعرف إليه، بقدر ما نحتاج أن نعطيه فرصته كي يعبر عن ذاته وعن نواياه، وبجوار هذا نأخذ حذرنا ونستعد إما إلى هدنة وبناء وربما عناق، وإما إلى دفع بعيد وانفصال ومواجهة إن لزم الأمر.

لكن أن نفترض السوء في كل شيء لا نعرفه، أو نفترض السوء لمجرد حدس أو اعتقاد أولى لم يبن على علاقة متجذرة أصيلة، فذاك مما يفوت علينا كثيرا من الفرص، ويضعنا خافتين خائفين في جانب ما ضيق من الحياة، جانب لا نبرحه ولا يبرحنا.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

لكن أن نفترض السوء في كل شيء لا نعرفه، أو نفترض السوء لمجرد حدس أو اعتقاد أولى لم يبن على علاقة متجذرة أصيلة، فذاك مما يفوت علينا كثيرا من الفرص، ويضعنا خافتين خائفين في جانب ما ضيق من الحياة، جانب لا نبرحه ولا يبرحنا.

افتراض السوء يخلق نوع من الحذر في التعامل، وليس منع التعامل تماما، وأعتقد بعد ما نواجهه بحياتنا هذا منطقي نوعا ما، بشرط ألا يعيق اكتشافنا لما هو مجهول او غير مألوف، ولكن نوازن بين رغبتنا في التعرف على المجهول واكتشافه وبين الحرص في التعامل، وهذا يتجسد في ابسط الأمثلة عند التعامل مع الآخرين.

إعطاء العقل فرصة للتفكير وقياس الأمور ، والتدرج في تطبيق الحلول، وعدم التعجل في اتخاذ القرارات، وإنشاء بدائل متعددة للتعامل، كلها أشياء تعفينا من الصدام والوقوع في براثن الاشتباك..

في البداية، أرفع لك القبعة على هذا التحليل وتلك الرؤية العميقة، ولو تعرفني شخصياً سوف تعرف أنني قلما رفعتها لأحد، فتحياتي لك ولأسلوبك الرائع؛ ولكن مع روعة أسلوبك لي بعض التعليقات:-

"حين يواجهك مجهول تجافي أفعاله المنطق فلا تواجهه كحل أول؛ ولكن سر بجواره وتدرج".

لو واجهني مجهول تجافي افعله مبادئ المنطق الأرسطي وهي مبدأ الهوية ومبدأ عدم التناقض ومبدأ الثالث المرفوع، بالتأكيد لن أواجهه ولن يواجه اي عاقل....

ولكن لو واجهني مجهول لا أعرف نواياه سوف تكون المواجهة وإفتراض الأسوأ هو من أول الخيارات المطروحة للتعامل مع هذا المجهول، وخصوصاً لو كان هذا الفعل المجهول صادر من بشر، لأن الشر فيهم ثابت وكامن.

لكن أن نفترض السوء في كل شيء لا نعرفه، أو نفترض السوء لمجرد حدس أو اعتقاد أولى لم يبن على علاقة متجذرة أصيلة، فذاك مما يفوت علينا كثيرا من الفرص

افتراض الأسوء هو شيء أصيل في الجين البشري لأن الإنسان عندما كان يعيش في الكهوف والغابات، وكان يسمع مثلاً صوت كسر غصن ولا يجري، كان يأكله حيوان مفترس، ومن هنا تطور الإنسان الذي كان يتوقع الأسوأ وعاش وتكاثر ونحن الآن نسله، أما الذي توقع الأفضل كان وجبة طازجة.

شكرًا لك عزيزي محمد.. أسعدتني جدًا إشادتكم الكريمة..

لم أكتب هذا التحليل أو التدوينة إلا تحت تأثير حاد من هذا الفيلم وقت مشاهدته، لذلك فما ورد في النص لا يعدو مشاعر انتابتني ودونتها، لم أحتكم فيها للمنطق بقدر ما احتكمت لمشاهد الفيلم ومجرياته، لكن نقدكم الكريم فتح لي مزيد من مساحات النقاش والتأمل..

ولكن لو واجهني مجهول لا أعرف نواياه سوف تكون المواجهة وإفتراض الأسوأ هو من أول الخيارات المطروحة للتعامل مع هذا المجهول، وخصوصاً لو كان هذا الفعل المجهول صادر من بشر، لأن الشر فيهم ثابت وكامن.

بالفعل كل مجهول مرعب حتى يثبت العكس.. لكن فكرتي تتركز في تأجيل المواجهة حتى التأكد من ماهية الوضع.. ومن ثم يكون القرار.

افتراض الأسوء هو شيء أصيل في الجين البشري،  لأن الإنسان عندما كان يعيش في الكهوف والغابات.

لم نعد نعيش في الكهوف، وكل افتراض فينا أصيل مثل الخوف ليس دائمًا هو الصواب..

سعدت كثير بتعليقكم

دمت بخير

دائما مايصادفني هذا الفيلم لكنني لا أكمله لا أعرف السبب حقيقة لكنني أحي حسك التحليلي الرائع، وبالنسبة لما خلصت إليه فأنا أؤيد فكرة مواكبة الأخر والسير مع مساره للتعرف أكثر على نظرته وأبجديته كما أحببت وصفها، لكنني مع ذلك أحمل مؤاخذة على الموضوع من جانب أننا حين نتعامل مع الناس بهذا المنطق نصبح نحن ضحية لسوء تصرفه وفهمه أيضا، فقد كنت في السابق أتعامل بنفس النهج تحت مبدأ (أتعامل مع الأخر بالطريقة التي أحب أن يتعامل معي بها) لكن وجدت أنني أعاني كثيرا من الأخر ومن سوء تصرفه ولم أكن أعرف كيف أوجهه حين يسيء التصرف معي أو يجرح مشاعري، بعدها استبدلت المبدأ (أتعامل مع الأخر بنفس الطريقة التي تعامل معي بها إن كان خيرا فخير وإن كان سوءا فسوء، لأنه لم يراعي شعوري حين تصرف على نحو خاطيء معي)

دائما مايصادفني هذا الفيلم لكنني لا أكمله لا أعرف السبب حقيقة لكنني

أرشحه لكِ بقوة وخاصة أن فكرة الفيلم نفسها لها أبعاد كثيرة تختلف من شخص لآخر في استقبالها، ولكنها تجربة مميزة، أتذكر أن الفيلم مأخوذ من قصة قصيرة بنفس العنوان كانت حصدت العديد من الجوائز في مجال الخيال العلمي لأنها ناقشت الموضوع من زوايا مختلفة غير معتادة في قصص الخيال العلمي.

أولًا مقال جميل عن فيلم أحبه كثيرًا، أتذكر أني شاهدته في السينما فور بداية عرضه فقد كنت من المتابعين لدينيس المخرج منذ ان أخرج Incedies ثم Prisoners و Sicario كان Arrival من الأفلام التي خرجت بعدها من السينما عقلي مليئ بالأفكار، اما بالنسبة للفكرة فأتفق معك أن الكثير من الناس تضع حواجز كثيرة بينها وبين الناس والأفكار وهذا يجعلهم أبعد ما يكون عن فهمها وتفهم من يؤمنون بها، وأعتقد أن الانفتاح على الآخر وطريقته في الحياة ومحاولة فهمه أمر مهم جدًا لكي نتعايش مع بعضنا دون صراعات كبيرة ولا يعني هذا أن أقتنع بأفكار الآخرين بالضرورة لكن أن افهم أفكارهم وأتفهم منطلقاتهم.

أكثر نقطة أفكر فيها دائما من أول مرة شاهدت الفيلم هي نقطة التواصل فالفيلم يعبر بطريقة واضحة عن قدرة التواصل وفهم الغير وكيف أن التواصل يساعدنا ليس فقط على معرفة المجهول في معرفة أنفسنا ولكن المشكلة كما قيلت في الفيلم:

you can understand communication and still end up single

في أنه حتى لو فهمت التواصل فهذا وحده لا يكفي لأن التواصل يكون عن طريق معرفة بعضنا ببعض ومحاولة التقبل ذاتها بدلا من الهجوم أو الخوف من المجهول والغير. لأنه كما يقال عن الإنسان فهو عدو ما يجهل والفيلم وقصته أكبر دليل على هذا.