القلب والعقل والفؤاد من المنظور القرآني
في القرآن الكريم ذُكر لفظ القلب في مواضع عدة كما ذُكرت وظيفته وهي التفقّه لكن العقل لم يُذكر بلفظه بل ذُكر بصيغة الفعل مثل يعقلون ونحوه وكذلك ذُكر الفؤاد فهل الجميع شيىء واحد ؟
القلب في اللغة : تحويل عن وجهه ، وقلّب الأمور طرحها ونظر في عواقبها ، وسمي قلب لتقلبه ، والقلب مضغة من الفؤاد معلقة بالنياط ، وقيل الفؤاد هو القلب وقيل وسطه ، وقيل غشاء القلب ، والتفؤّد من التوقد ، والقلب هو الفؤاد لتفؤده وتوقده ، وبعض العرب يسمي لحمة القلب كلها وشحمها وحجابها قلباً وفؤاداً ولم يفرقوا بينهما .
وقد يعبر بالقلب عن العقل وجائز باللغة العربية أن تقول أين ذهب قلبك ؟ أي أين ذهب عقلك ؟
العقل :ضد الحُمق وهو التثبت بالأمور ، والرجل العاقل هو الجامع لأمره ورأيه، مأخوذ من عَقلت البعير أي جمعت قوائمه ، والعاقل هو الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها
والعقل : القلب والقلب العقل وسمي عقلاً لانه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك ، أي يحبسه ، وقيل هو التمييز الذي به يميز الانسان عن سائر الحيوان ،ويقال لفلان قلب عقول أي فهمٌ (1)
ويتحصّل من ذلك أن القلب له أطلاقات أخرى مثل العقل والفؤاد بحسب الزاوية التي يُنظر منها اليه ، فالقلب هو العضو المسؤول والحاكم على تصرفات الانسان للقوة الادراكية التي يتمتع بها التي توجهه الى ما يصلحه وتبعده عما يفسده . فقوله تعالى ﴿أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ .........﴾ (2)
وقوله تعالى ﴿وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا ............﴾(3)
وقوله تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ﴾ (4) فالتعقّل والتدبر والتفقه أي الفهم هي أمور يقوم بها القلب فلذلك يوصف القلب بأنه على تقوى ومرة يوصف أنه آثم كما في قوله تعالى ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ ﴾ (5)
وقوله تعالى ﴿...وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ﴾(6)
وعن موسى أبن جعفر (ع): أن الله يقول في كتابه ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ ﴾أي عقل ، وعن أبي عبد الله (ع) قال كان أمير المؤمنين (ع) يقول: نبه بالتفكر قلبك......(7)
وقد ذكر القرآن الفؤاد وأراد به القلب من جهة كونه مركز للقوة الحسية فجعله في قبالة قوة السمع والبصر كوسيلة لتحصيل العلم فما لايُدرك بالسمع والبصر يُدرك بقوة الإحساس كما في قوله تعالى ﴿وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾(8)
فالفؤاد مستودع المشاعر والعواطف كما في قوله تعالى ﴿رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ ﴾ (9)أي أن يحبونهم الناس ويميلون اليهم
وقوله تعالى ﴿وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَٰرِغًاۖ إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِي بِهِۦ لَوۡلَآ أَن رَّبَطۡنَا عَلَىٰ قَلۡبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ (10) بمعنى أنه فارغ من كل شيىء ماعدا ذكر موسى ، وبلغ بها الذهول بحيث كادت تصرخ من أعماقها وتذيع أسرارها ولكن الذي حمّل أم موسى هذا الامر الثقيل ،ربط على قلبها(والربط هنا التقوية ) لتؤمن بوعد الله وتتحمل هذا الحث الكبير (11)
هذه الاية جمعت بين القلب والفؤاد وقد أشارت الى القوة الحسية المتمثلة بمشاعر الامومة المتوقدة وحبها لموسى وخوفها عليه التي ملأت فؤادها وأفرغته من كل شيء دونه فكادت أن تُظهر ما تكتمه لولا ربط الله على قلبها وهنا أشارة الى سيطرة القوة الادراكية لدى أم موسى بتثبيت من الله وتقويتها بالصبر والسكينة . وعلى كل مؤمن أن يجعل من هذه القوى في قلبه في توازن ويجعل قلبه يُزهر بالتقوى ويضيء بنور الله .
وسأقول كما قال الشاعر عن القلب بأنه أذا كان مع الله فلن يضّل الطريق أبداً
جَهِلت عيون الناس مافي داخلي فوجدتُ ربي بالفؤاد بصيرا
يأيها الحزن المسافر في دمي دعني فقلبي لن يكون أسيرا
ربي معي فمن الذي أخشى أذا مادام ربي يُحسن التدبيرا
هو الذي قال في قرأنه وكفى بربك هادياً ونصيرا
الكاتبة : جنان حميد عبد الزهرة
__________________________________
(1)أبن منظور ، لسان العرب ، ص 3713،3334، 3046
(2) الحج :46
(3)الأعراف:179
(4) محمد :24
(5)الحج:32
(6)البقرة :283
(7) محمد أبن يعقوب الكليني ،ج1،ج2،ص9،ص37
(8)النحل :78
(9)أبراهيم:37
(10) القصص:10
(11) ناصر مكارم الشيرازي ، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ،ج9،ص477