15

انحياز النجاة ...أدمغتنا تخدعنا

Geeky_Panda

مرحبا بكم في مقاطعة "بوكشون" سيول كوريا الجنوبية ، هنا يمكنكم إيجاد الأسقف الكورية المذهلة التي اختصت بها العمارة الكورية التقليدية.

بالنظر إلى هذه الأبنية سيكون من الطبيعي أن يتبادر إلى ذهنك أنها لم تعد تبنى بنفس الجودة كما كانت في الماضي. لكن : هل هذا صحيح فعلا ؟ لأننا لا ننظر إلى كل المنازل التي وجدت حينها، نحن في الحقيقة ننظر فقط إلى عينة مختارة منها . المجموعة تمكنت من الصمود إلى يومنا هذا. لذا من المنطقي جدا القول أن هذه المنازل تمثل أفضل ما بني و ما تم الحفاظ عليه، و عليه فهي لا تمثل و لا تعطي فكرة صحيحة عن الطريقة التي كانت تبنى بها الأشياء في ذلك الوقت. حالها حال العديد من الانطباعات التي نكونها عن الكثير من الأمور.

هذا ما يعرف بالانحياز للنجاة أو انحياز البقاء ،و الذي يلعب دورا كبير في كيفية تفكيرنا عندما ننظر إلى عينات غير مكتملة.

المثال الكلاسيكي لانحياز البقاء يأتي من الحرب العالمية الثانية أين كان البريطانيون يخسرون العديد من قاذفات القنابل عند طيرانها فوق الأقاليم المحتلة بشكل متكرر، ما جعلهم يقررون فعل شيء ما..عليهم أن يضيفوا درعا إلى المقاتلات لكن طبعا لم يكن باستطاعتهم تدريع الهيكل بأكمله لأنها و ببساطة ستصبح ثقيلة جدا لتطير و لتصل إلى أهدافها. لذلك فقد كان بإمكانهم إضافة دروع إلى أجزاء مختارة فقط من الطائرة ، و التي ستوفر أكبر قدر من الحماية.

بداية قاموا بدراسة كل الطائرات التي نجحت بالعودة وسجلوا كل الأجزاء التي أصيبت بها. و افترضوا أن الخيار الأنجع هو تدريعها ما سيوفر حماية لعدد أكبر من المقاتلات. بالطبع تلك فكرة رهيبة، لأنك تنظر إلى الناجيات، بمعنى آخر تلك التي استطاعت الإفلات و العودة. أما التي لم يسعفها الحظ فهي من عليك تدريع الأجزاء المصابة فيها. لكن كيف يمكنك تحديد هذه الأجزاء في حين لم يتسنى لك رؤِيتها ؟ الإجابة تكمن في أن تفترض نوعا ما أن قاذفات القنابل تتم إصابتها بطريقة عشوائية و أن التي تعود إليك هي التي تصاب في مناطق غير حساسة و لا تؤدي بالضرورة إلى سقوطها. ما ينتهي بنا إلى النتيجة الآتية : المناطق التي لم تصب فيها هي المناطق التي علينا تدريعها..قد تبدو الفكرة غير متوقعة لأنك تهمل انحياز النجاة، لكن حتما حينما تدرك أنك تنظر إلى فئة مختارة بشدة يصبح الأمر بديهيا. أن عليك حماية التي تعود سالمة لأنها تمثل الأجزاء المهمة والحساسة في الطائرة.

انحياز البقاء ليس مجرد شذوذ إحصائي ساخر، لأني أعتقد بأن له تطبيقات جمة في حياتنا العملية. على سبيل المثال كثير ما نقرأ عن كيف أن أشخاصا مثل "ستيف جوبز" أو "بيل غيتس" أو الرجل الذي أسس "دال" تركوا الجامعة. و كيف أنه من المفترض بالشباب اللامعين أن يحذوا حذوهم، و حينها عندها فقط يمكنك أن تنجح مثلهم بفضل حماسك و شغفك لأنك لا تحتاج إلى التعليم الجامعي، تلك مبدئيا هي رسالة أولئك الناجحين. لكن ما يغفل عنه هنا هو جميع الأشخاص الذين تركوا الدراسة و لم ينتهي بهم المطاف كأفراد ناجحين. لأنه في الواقع عند النظر إلى العينة الكلية نرى أن الحائزين على شهادات جامعية يكونون أكثر نجاحا و يجنون مالا أكثر و أقل عرضة للوقوع تحت طائلة الديون.

لذا عند جمع الفائزين و محاولة إيجاد صفات مشتركة نقع غالبا في المتاعب.

بيت القصيد أن هذه الطريقة في التحيز بعد فوات الأوان عند النظر إلى من حافظ على نجاحه إلى يومنا قد لايكشف النوعية الفعلية للموضوع الذي تبحث عنه، بالمقابل قد يكشف قليلا من الحظ.

الجانب الأكثر إثارة للقلق في ما يتعلق بالانحياز للنجاة تبادر إلى ذهني في أحد الأيام عند كنت أناقش و صديقي مدى كون الحياة عادلة. بمعنى آخر: هل الإستحقاقراطية تنطبق فعلا على أولئك الذين يتمتعون بأفضل المهارات و أنبل القيم و ينتهي بهم المطاف أفراد ناجحين؟ صديقي قال أنه شعر بأنها كذلك. بالنسبة إليه العالم عادل بالفعل. لكني أدركت حينها أن واحدة من تلك اللحظات التي يتجلى فيها الانحياز للنجاة. لأنه بسبب نجاحك ونجاتك أنت يبدو لك العالم عادلا. فمثلا لو عملت بنفس الجهد و إتخذت كل الأسباب و مع ذلك لم تصل لأي نتيجة لرأيت أن العالم أكثر ظلما مما ظننت.

لكن مجددا العالم يحكمه الذين نجحوا لأنهم يمتلكون الموارد كلها و التأثير الأكبر لذا باستطاعتهم إخبار أنفسهم تلك القصة، أي أن ما يملكونه هو نتيجة عملهم الجاد و براعتهم ومثابرتهم في إنجازه. ربما هم محقون إلى حد ما و لكن ربما كان للحظ دور إلى حد ما أيضا. و كذلك الواقع بالنسبة للآخرين ممن عملوا بنفس الجد ولم ينتهوا بالضرورة إلى نفس النتيجة. لكن بما أن الفائزين هم من يضعون القوانين فهم كذلك من يتسنى له الحكم بدور الحظ أو رفضه نهائيا. ربما كون الناجين هم أصحاب القرار هو أسوأ جزء في انحياز للنجاة.

المقال الآتي مترجم من قبلي نقلا عن فيديو بعنوان "انحياز النجاة"

-بتصرف.

this article was translated by me from the video entitled " survival bias" by 2Veritasium:

====================================================

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

إنحباز النجاة له أشكال كثيرة، هو يشمل كل ما أستطعت الوصول إليه، ولذلك من الصعب تجنبه، ربما تجد في الجرية يوميَا جرائم قتل فتعتقد أنها أصبحت أكثر من الماضي، ولكن الحقيقة أنها فقط أصبحت تصل إليك بشكل أكبر، ربما يخبرك أحدهم أن تفتح شركة مستقلة بحجة أن جوجل وأبل وفايسبوك نجحوا، وهو يتجاهل عمدًا أن هناك ملايين الشركات الأخرى التي أفلست في أول 3 سنوات لها، إنحياز النجاة لا يحله سوى إنحياز الموت، عندما تفكر بمن نجحوا يجب أن تفكر أيضًا بمن فشلوا، لتجعل هناك توازن من نوع ما.

شكرًا على الموضوع الجميل.

تماما لذا فالدراسة الموضوعية الشاملة ضرورية جدا قبل النطق بالحكم النهائي في موضوع ما. ما أمكن طبعا

الظاهرة التي تحدثت عنها تدعى The Baader-Meinhof Phenomenon.

و شكرا على تعليقك الثري

صحيح لأن الكثير و بشكل متعمد يهملون دور الحظ, و لا أقصد بالحظ ذلك الشيء العجيب الذي يجعل من كل شيء في حياتك مثاليا بطريقة سحرية. و لكن العشوائية العمياء, ببساطة هي تلك الأفضلية التي تتمتع بها و لم يكن لك أي دخل مباشر أو غير مباشر فيها. مارك مالك فيسبوك اعترف بدور الحظ الأعمى في نجاح تجربته بإحدى مقابلاته.

شكرا على مرورك و بالمناسبة أعتذر على عدم الرد لأني لا أمتلك نقاطا كافية :') سياسة حسوب

لكن العشوائية العمياء, ببساطة هي تلك الأفضلية التي تتمتع بها و لم يكن لك أي دخل مباشر أو غير مباشر فيها. مارك مالك فيسبوك اعترف بدور الحظ الأعمى في نجاح تجربته بإحدى مقابلاته

نعم معك حق في هذا ، أعتقد أن الغالبية تميل لتبرير النجاح و السطوة من باب رغبتهم في تبرير الفشل في نفس السياق لكي يشكل دفعاً للأمام نحو وردية الحياة الجميلة " لكل مجتهد نصيب" ، فالأسهل لهم أن يبرروا نجاح مارك بناءً على اجتهاده و ذكاءه، لكي يصبح لديهم هامش يتحركون به في حال عدم وصولهم لما يريدون، فتصبح المبررات تأخذ نهج : هل أنت ذكي كمارك؟ هل تعبت و اجتهدت مثله ؟ هل خاطرت مثله؟ فيما لو اعترفوا بدور العشوائية لأصبح هذا صعباً عليهم.

بالنهاية النجاح معقد الجوانب و لا يأخذ جانباً معيناً، و لكن ليس من الحكمة أن ننظر إلى جانب دون آخر.

بالضبط و على أي حال الظاهرة البشرية معقدة كفاية بالنسبة للمختصين فما بالك بالعامة.

لا تقلق لا أشك في أنك آخر شخص قد يؤمن بشيء سحري

أعتقد أن أدمغتنا تخدعنا بالفعل تحت الظروف التي ترجح فيها الكفة للنجاح، بحيث يصبح الجزء الذي قد يقلب الميزان بأهمية قليلة أمام ما نعتقد بالنتيجة النهائية.

وعلى عكس التفاؤل أرى التشاؤم أقل خطرا علينا من أن نقع مخدوعين فيما قد لا يكون، قرأت دراسة حول التشاؤم و كيف يمكن أن يعزز من واقعية الأفراد و لكني لم أهتد لتلك الدراسة بالذات، وجدت شيئاً قريباً لها. .

أفضل التشائم باعتدال انا الأخر لأن التشائم يدفعك للعمل المضاعف بسهولة لكن تحت راية الخوف و القلك الأمر الذي يدفك للقلك على نفسك بنهاية

التشاؤم يُجردك من التوقعات الخيالية الخالية من الصِحّة.

أوافقك الرأي لأن الموضوعية صعبة جدا على أدمغتنا كونها تجعل من إتخاذ القارارات أمرا معقدا و يأخذ زمنا طويلا و هو ما لم نعتد عليه بحكم البيئة التي تطورت فيها أدمغتنا, لذا فالإنحياز و التعميم يبدو أسهل بالمقارنة.

أما عن التشاؤم فهو كم قلت أقل ضررا إن قمنا بحساب و مقارنة الخسارة في كل الحالات إذن المتشائم الذكي و أقول الذكي يملك دوما خططا إحتياطية فإن لم تنجح الخطة -أ- لدينا دائما الخطة -د- في حال فشلت -ب- و -ج- كذلك.

شكرا على المقال بالمناسبة

الافضل التوازن

تمنى الاحسن و توقع الاسوء