الجزء الثالث : ماذا حصل في السعودية ؟

(الأم التي تفقد ابنها ، لا تفقد الأمل ابدا )

الأنسان اذا فقد أباه ينادى يتيم ، واذا فقد أمه ينادى لَطيم ،واذا فقد زوجه ينادى أرمل، واذا فقد صديقه ينادى وحيد ، لكن ماذا نسمي التي فقدت ابنها ؟ لا شك بأنه لا يوجد من يستطيع أن يلقي عليها لقبا ، فألمها كبير ، وحزنها شديد ، لا كلمات تصفها ، ولا مواساة تخفف عنها .

بعد مرور أسبوع...

على بوابة السكن الجامعي

آسر: اسمعي يا أسيل، ما بقى إلا أربع شهور ونلمّ عمرنا ونرجع. وش السالفة؟ تبين تأجّلين الترم؟ إحنا متفقين نجي هنا سنة عشان تدرسين هالرسم حقك ونرجع، والحين تقولين تبين تأجيل؟

أسيل (بترقّب وتحاول تقنعه):

اسمعني آسر، والله إنها فرصة عمري!

لو ما أجلت الفصل هذا، ما راح أقدر آخذه مع أليخاندرو موراليس،

أشهر مصمم أزياء بأمريكا! الترم الجاي هو اللي بيعطي، مو هذا،

وإنت مو فاهم قد إيش هذا الشخص يعني لي!

قسم بالله إذا رجعت بدون ما أستفيد من خبرته، كأني ما سويت شي!

آسر (منفعل):

بلا خبرة بلا بطيخ! إنتِ مو فاهمة إنك أمانة عمي برقبتي ! وش تبيني أقول له؟ المصمم مدري الرسّام حقك؟ لا تزهقيني عاد! ما بطلعوبإيدي اشي لا تخليني اندم اني دعمت فكرة انك تسافري وتدرسي هان

وانتِ ِعارفة إني لازم أنزل، خلاص، واقف على راس شغلي،

ودورة البرمجة اللي أخذتها قربت تخلص، الشهر الجاي بكون انهيتها ، وهلاص الأمور مرتبة بنرجع خلاص .

(اسيل تحرّك نقابها تحاول تدخل هوى، تحس كأنها تختنق،

ما تقدر تقنع آسر، وهي تدري من زمان إنه عنيد وصعب يغيّر رأيه، من يومهم صغار.)

---

آسر (ينظر لهاتفه، يسكت شوي ثم يقول)

خلاص، اطلعي إنتِ… وأنا بشوف كيف بصير.

---

أسيل (تبدأ تقفز من الفرحة و بصوت خافت):

يالله!! يااارب! الحمدللـه!!

--

آسر (يناظرها بنظرة حادة):

اهجدي يا بنت! وزبّطي نقابك، عاد قلت بشوف، مو أكيد!

أسيل : خلاص هيني طالعه سلاااام وتصعد السلالم وهي تقفز

آسر (ينظر إليها بنظرة فيها دفء ممزوجه بالقلق ، عيونه تعكس شكوكه وخوفه عليها. يحس إنها مو قد حالها، وكأنها لازالت صغيرة في نظره، اصغر من كل شيء في أميركا ، المباني الناس والشوارع كل شيء اكبر منها ومع هذا تتصرف بحماس بلا وعي. يراها كأنها طفلة، وحسّها بالفرحة مو متماشي مع الوضع اللي هم فيه.قلبه مش مطمئن، وعقله مش قادر يستوعب كيف هي مستمرة بهالطريقة، وهو يراقبها وكأن كل شيء في عالمها مختلف، يبتسم ابتسامه خفيفه تحمل أكثر من معنى لكن سرعان ما تتبدل ملامحه لانه ادرك أن هناك مصيبه تنتظره بالهاتف فيعيد النظر في جواله، ليتأكد من الرسالة):

"إلى السيّد آسر الفرسان،

نود إعلامك بأنك تجاوزت الحد الأقصى للسحب من حساب التأمين والتمويل الخاص بمنشأتك.

وبناءً عليه، سيتم إيقاف الإمداد والدعم المالي من الشركة لمدة خمسة شهور،

وذلك حتى تتم إعادة تعبئة الحساب بالحد الأدنى المطلوب."

(تتغير ملامحه فجأة، عينه تعلّق على الشاشة، ضغطة خفيفة على جبينه بإصبعه وكأن الألم بدأ يتسلل لرأسه، ياخذ نفس عميق، ثم يغمض عيناه ويهمس بصوت كله اختناق :

" سليمان ، هالمره رح اقتلك "

ـــــــــــ

في المقهى

لمى وخالد يباشرون بتجهيز المقهى لاستقبال يوم جديد بكل حماس ، خالد يرتب حبات البن بكل حب وهدوء ، لمى تنظف الزجاج الذي يملأ واجهات المقهى فيصنع منظرا رائع مطلا على شوارع أميركا

تبدأ ماكينة خالد بالطحن، تصدر صوتها العالي بثبات، لكن سرعان ما يقطعه رنين مفاجئ من هاتفه، يتداخل مع ضجيج الماكينة، وكأن الواقع يحاول لفت انتباهه بشيء أهم.

خالد (وهو بيبص على موبايله ):

لمى، تعالي! رقم دولي، أكيد ماما وبابا… أخيرًا لقوا طريقة يتواصلوا معانا!

بيضحك نص ضحكه ويكمل حديثه : مش عارفين يستخدموا الماسنجر.

لمى (بتنط من على السلم وبتصرخ):

جااااية، جااااية! بلاش تفتح الخط من غيري!

خالد ولمى مع بعض، بحماس:

ماما! بابا! عاملين إيه؟

والدهم:

هلا حبايبي! إمتى تخلصوا الجامعة وترجعوا؟ عايزين نفرح بيكم بقى!

والدتهم (زينب):

شدوا حيلكم يا ولادي وارجعولي بالسلامة.

لمى (بمزاح):

أنا تمام ، بس بصي على خالد… هو اللي دايمًا متأخر وبيتلهّى!

خالد (يضحك):

آه يا أم دم خفيف!

ماما، قوليلي… في جديد عن خالي في السعودية؟ حد رد خبر؟

والدتهم (بنبرة حزينة، وعينيها بتنزل):

لا والله يا ابني… مفيش أي جديد. عدّت عشر سنين ومفيش حاجة بلّت ريقي.

والدهم:

ادّوا لخالك امبارح شهادة وفاة. زهقونا!

إحنا بقينا نروح نسأل عن ابننا، أنا خدت شهادة وفاته مية مرة! الله أكبر بس.

خالد (بحماس وغضب):

نفسي أفتّش السعودية شبر شبر عليه!

لمى (بتحاول تغيّر الجو):

ماما، بالله عليكي خَلّي بنت خالتي تعلّمكم الماسنجر… نفسي أعمل مكالمة فيديو وافرّجكم على المكان أنا وخالد!

خالد (بحماس، بيقاطعها):

اسمعوا بقى، تعالو عنا هنا ، لو تشوفوا المكان اللي عملناه!

نفسي أفرّجيكم ماكينة القهوة… قد إيه بتطلع القهوة طازة وفريش! نفسي تذوقوا قهوتي!

زينب (بحسرة):

يا ريت لو كان في إيدي أسكن في أي حتة غير مصر…

كنت اخترت السعودية، مش أمريكا ولا غيرها…

لو بإيدي كنت فضلت هناك لحد ما ألاقي أحمد.

خايفة يدور عليّ وما يلاقيني… بالله عليكم شوفولي وسطة أقدر أعيش هناك.

(يقطع المكالمة صوت كريم، صديق خالد):

خالي وخالتي، أظن لازم نقفل… فات وقت كتير على المكالمة.

خالد ولمى بسرعة، بيحاولوا يلحقوا يقولوا كل حاجة:

ماما، بابا، إن شاء الله هننزل

في الإجازة دي، وهانت سنة كمان ونتخرج!

سلام يا عيونّا!

ومع اول زبون يدخل يبدأ كل من لمى وخالد بعملهما

ـــــــــ

وعند آسر يجلس في سيارته يحاول تمالك أعصابه يمسك جواله، وصوته مليان غضب:

اسمع يا سليمان، خلال دقيقتين تكون مرسلي كل صادرات وواردات الشركة، لو إنك بعت كيبورد بس، تراني أبغى أعرف!

سليمان (ببرود):

ريلااااكس يا رجال…

آسر (ينفجر فيه):

شكلك ناسي من كثر خبصاتك إنك فضّيت حساب الشركة! صرنا مديونين بسببك!

سليمان (يحاول يبرر):

آه قصدك التأمين؟ أنا فكّرت إننا لازم نستفيد منه، فسحبت المبلغ… وحطّيته ع ترميم من هنا… وبضاعة جديدة من هنا و—

آسر (يقاطعه بعصبية):

اسمع، عطِني الزبدة… وين راحت الفلوس؟ قُـل، يا سليمان، ولا والله باجيك على السعودية!

سليمان (يتردد):

ااا… اسمع، الصراحة… كنت واقع بمصيبة، وأخوي الكبير السوبر هيرو رايحلي ع أمريكا، وتاركني هون مع شركه قد راسي

آسر (يضغط عليه):

أخلص عليّ، وش صاير؟ قُل من الآخر!

سليمان (يتنهد):

بصراحة… طلعت بسيارة خويي، وشطّبتها بالكامل، وانسجبت معي سياراتين كانوا بالمكان … وطلبوا تصليح على حسابي.

آسر (بعصبية):

ووالباقي؟!

سليمان (يتلجلج):

مهو… خلني أكمل ياخي، الباقي راح غرامة عشـــــــ…

آسر (يصرخ):

عشان وش يا سليمان؟! عشااان وش يا ورع؟!

سليمان (بسرعه يحاول التهرب من الواقع ) :

غرامه ماليه

انا كنت أفحّط… وكبست علينا الشرطة…

آسر تكفى لا تعلم ابوي بنحلها انا وياك

يهم آسر بالرد لكن يقاطعه رجل أمن السكنات الجامعيه , يخبره بأنه لا ينبغي أن يصطف هنا وان عليه أن يصطف بالكراج.

آسر يشير له بمعنى انو رايح ما بدو لا يصف ولا يقف يشعر بأنه يريد أن يذهب أن يبتعد فقط .

يبدآ آسر بالتحرك قطع شارع الجامعة مرتان لا يعلم أين يمكن أن يذهب ، لا يعلم كيف اصبح أمام مقهى (pro& sis )

نزل من السيارة ونظر إلى اسم المقهى فكر كيف يمكن للإخوان أن يكونا متعاونين ويشعر كل منهما بالآخر على الرغم من حبه لسليمان لكنه تمنى أن يكون له أخا أكثر هدوءا وتفهم

دخل الي المقهى , هادئ كالعادة كل شيء كآخر مره شعر بالتردد قليلا فصاحب العيون البنيه نكد عليه حب هذا المكان في آخر مره

لم يكترث كثيرا للأمر ، فالأمور عند آسر لا تأخذ وقتا طويلا للتخطي ، اتجه إلى الكاونتر طلب قهوته المعتادة ، انتبه له خالد شعر بشعور غريب لم يره منذ مده يشعر أنه يريد أن يخنقه وان يتقبله في آن واحد

بدأ خالد بالحديث :

اصبر شوي وبعملك قهوتك

آسر ببرود : تمام

خالد (بيبص له باستغراب):

إيه ده؟ هو دا نفسه ؟ فين العصبية والكبرياء؟ اي سر الهدوء دا ؟

خالد (يحاول يستفزه بخفة دم):

قُلّي بس… القهوة حلوة ولا مُرّة؟

هو (يرد ببرود ولهجة سعودية):

ما تفرق…

خالد (يضحك):

لا يا عم! بتفرق، لما قهوتك تبقى حلوة بتحس كأن الحياة بتضحكلك.

هو (بنظرة جانبية واستهزاء):

هاه، صدق؟ والله ما قد فكرت فيها كذا…

خالد ل وهله شعر انه يعرفه مسبقا وكأنه كان صديقه ضحك وبكى معه

يكمل آسر : جاي أميركا تفتح مشروع كان عملته بام الدنيا أزين لك !

خالد شعر بشعور غريب ، خالد يرى آسر من مده فقد كان يأتي للمقهى مرارا ، اعتاد خالد أن يرقب حركاته ، احب فيه شغفه لعمله كان يشعر أنه مع قهوته كآسر مع حاسوبه ، كان دائما يريد أن يعرف علاقته بتلك الفتاة المنقبه ، فتاة هادئه وبها شيء مميز تمسك قلمها وتبدأ ترسم ثم تغرق في عالمها الخاص ، لعل خالد القى نظره خاطفه إلى أوراقها ، ليرى رسومات لفساتين جميله ومميزه ، يعرف كيف يكون الرسم وانسيابية الخطوط فهو رسام أيضا

ثم سرعان ما خرج من تفكيره ليجيب على سؤال آسر :

هو بصراحه جاي لهنا عشان ندرس انا واختي الهندسه المعماريه

آسر : اه تمام

خالد : تفضل قهوتك جهزت

يمد آسر يده بهدوء لياخذ القهوة، لكن فجأة…

صوت ارتطام قوي يشق سكون اللحظة.

صينية التقديم سقطت على الأرض، والأكواب تناثرت حول "لمى" التي سقطت معها دون حراك.

خالد (بصرخة مفزعة وهو يركض نحوها):

نوبة السكر! ساعدني بسرعة… الحقني تحرك

آسر يقفز من مكانه، ملامحه تتبدل من البرود للقلق، يركض بجانب خالد، ينحني دون تردد:

وش تبيني أسوي؟وش نعمل ؟ اتصل بالاسعاف ؟

خالد (يحاول يفتح شنطتها وهو يرتجف، وبدأت عيناه تغرقان بالدموع لكنها لم تنساب على وجنتيه):

إبرة الإنسولين… لازم نلحق عليها قبل ما تغيب بالكامل!

يأخذ آسر الحقيبة من خالد ويبدأ بالبحث بتركيز وهدوء،

يمد يده بين أغراض كثيرة متناثرة، حتى تقع عيناه على الإبرة…

يناولها لخالد بسرعة، ثم يبدأ بإغلاق الحقيبة.

لكن لحظة…

يده تتوقف، ونظراته تثبت على شيء داخل الحقيبة، شيء لم يكن يتوقعه أبدًا.

همس آسر، كأنه بيكلم نفسه:

"وش ذا...؟ مستحيل..."

عينيه ترتبك، يده ترتجف للحظة… لكنه يغلق الحقيبة بصمت، ويحاول يخفي ارتباكه...

يتبع...