هذه ليست رواية.
وليست دراسةً طبية.
وليست محاولةً لتقديم إجاباتٍ نهائية.
إنها حكايةُ رجلٍ أمضى أكثر من ثلاثين عامًا وهو يتنقّل بين الأمل والخوف، وبين المرض والعلاج، وبين الانكسار والصمود.
كان طبيبًا يدرس الأمراض ويعالجها، لكنه وجد نفسه ذات يوم في مواجهة مرضٍ لم يكن يتوقع أن يصبح جزءًا من حياته.
على امتداد هذه الصفحات، سنتابع رحلته كما عاشها: من مقاعد كلية الطب، إلى الانتكاسات النفسية، إلى المستشفيات، إلى معارك التدخين والمرض الجسدي، وصولًا إلى محاولته فهم ما حدث له بعد ثلاثة عقود من الأسئلة.
قد تختلف التفاصيل من شخصٍ إلى آخر، لكن كثيرين سيجدون في هذه القصة شيئًا من أنفسهم.
أبدأ اليوم بنشر هذه المذكرات على على شكل فصول متتابعة
و هذا هو الفصل الاول:البدايات
عِنْدَمَا كَانَ يَنْظُرُ إِلَى حَيَاتِهِ الْيَوْمَ، لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَدِّدَ بِدِقَّةٍ مَتَى بَدَأَتِ الْحِكَايَةُ.
هَلْ بَدَأَتْ يَوْمَ ظَهَرَتْ أَوَّلُ أَعْرَاضِ الِاكْتِئَابِ؟
أَمْ يَوْمَ شَعَرَ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى بِأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ عَنِ الْآخَرِينَ؟
أَمْ يَوْمَ دَخَلَ كُلِّيَّةَ الطِّبِّ حَامِلًا أَحْلَامًا أَكْبَرَ مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَى الِاحْتِمَالِ؟
كَانَ طَالِبًا مُتَفَوِّقًا، شَدِيدَ الطُّمُوحِ، مَيَّالًا إِلَى الْإِتْقَانِ أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ.
لَمْ يَكُنْ يَقْبَلُ بِالْحُلُولِ الْوُسْطَى، وَكَانَ النَّجَاحُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ضَرُورَةً لَا خِيَارًا.
لَكِنْ خَلْفَ هٰذَا التَّفَوُّقِ كَانَتْ تُوجَدُ هَشَاشَةٌ نَفْسِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ يُدْرِكُهَا بِالْكَامِلِ.
خِلَالَ سَنَوَاتِ الدِّرَاسَةِ الطِّبِّيَّةِ بَدَأَ يُعَانِي اضْطِرَابَاتٍ مُتَكَرِّرَةً فِي الْمِزَاجِ.
كَانَتْ فَتَرَاتٌ مِنَ الْحُزْنِ وَالْإِنْهَاكِ وَفُقْدَانِ الثِّقَةِ بِالنَّفْسِ تَتَنَاوَبُ مَعَ فَتَرَاتٍ يَسْتَعِيدُ فِيهَا نَشَاطَهُ وَقُدْرَتَهُ عَلَى الْعَمَلِ.
لَمْ يَكُنْ يَفْهَمُ مَا يَحْدُثُ، لَكِنَّهُ شَعَرَ أَنَّ شَيْئًا مَا فِي دَاخِلِهِ لَا يَسِيرُ كَمَا يَنْبَغِي.
فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ بَدَأَ مُتَابَعَةَ عِلَاجٍ نَفْسِيٍّ.
لَمْ يَكُنْ يَبْحَثُ فَقَطْ عَنْ عِلَاجٍ لِلْأَعْرَاضِ، بَلْ كَانَ يَبْحَثُ عَنْ تَفْسِيرٍ.
لِمَاذَا يُعَانِي؟
وَلِمَاذَا تَتَكَرَّرُ هٰذِهِ الِانْتِكَاسَاتُ؟
وَهٰكَذَا بَدَأَتْ رِحْلَةٌ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّهَا سَتَمْتَدُّ لِثَلَاثَةِ عُقُودٍ كَامِلَةٍ.
الفصل الثاني: عندما بدأت الأرض تهتز تحت قدميه
السَّنَةُ الْأَخِيرَةُ: عِنْدَمَا بَدَأَتِ الْأَرْضُ تَهْتَزُّ تَحْتَ قَدَمَيْهِ
كَانَتِ السَّنَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْ فَتْرَةِ التَّكْوِينِ كَطَبِيبٍ دَاخِلِيٍّ تَقْتَرِبُ. وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّ عَلَيْهِ اخْتِيَارَ الْمَدِينَةِ الَّتِي سَيَقْضِي فِيهَا تِلْكَ الْمَرْحَلَةَ الْحَاسِمَةَ مِنْ مَسَارِهِ الْمِهْنِيِّ.
فِي إِحْدَى الْمَرَّاتِ قَالَ لِأَحَدِ أَصْدِقَائِهِ مَازِحًا إِنَّهُ سَيَقْضِي سَنَتَهُ الْأَخِيرَةَ فِي مَدِينَةِ سَطَّاتَ، الْمَدِينَةِ الَّتِي كَانَتْ تُعْرَفُ آنَذَاكَ بِارْتِبَاطِهَا بِاسْمِ وَزِيرِ الدَّاخِلِيَّةِ الْقَوِيِّ إِدْرِيسَ الْبَصْرِيِّ.
وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ هٰذَا الِاخْتِيَارَ سَيُصْبِحُ بِدَايَةَ سِلْسِلَةٍ مِنَ الْأَحْدَاثِ الَّتِي سَتُغَيِّرُ مَجْرَى حَيَاتِهِ.
اخْتَارَ سَطَّاتَ بِالْفِعْلِ، لَكِنَّهُ عِنْدَمَا زَارَ مَقَرَّ الْعَمَلِ وَمَكَانَ الْإِقَامَةِ الْمُخَصَّصَ لِلْأَطِبَّاءِ الدَّاخِلِيِّينَ، شَعَرَ بِخَيْبَةِ أَمَلٍ كَبِيرَةٍ.
كَانَ السَّكَنُ جَمَاعِيًّا، بَسِيطًا، وَلَا يَتَوَافَقُ مَعَ مَا كَانَ يَبْحَثُ عَنْهُ مِنْ هُدُوءٍ وَنَظَافَةٍ.
خَرَجَ مِنْ هُنَاكَ نَادِمًا عَلَى اخْتِيَارِهِ.
وَبَدَأَتْ رِحْلَةٌ طَوِيلَةٌ بَيْنَ الدَّارِ الْبَيْضَاءِ وَالرِّبَاطِ.
قَصَدَ وِزَارَةَ الصِّحَّةِ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً مُحَاوِلًا تَغْيِيرَ مَقَرِّ التَّعْيِينِ.
وَبَعْدَ جُهُودٍ مُتَكَرِّرَةٍ حَصَلَ أَخِيرًا عَلَى انْتِقَالٍ إِلَى الدَّارِ الْبَيْضَاءِ.
كَانَ ذٰلِكَ خَبَرًا سَارًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ.
فَالْمُسْتَشْفَى أَصْبَحَ قَرِيبًا مِنْ مَنْزِلِ الْعَائِلَةِ، وَلَمْ يَعُدْ مُضْطَرًّا لِلِانْشِغَالِ بِمَشَاكِلِ السَّكَنِ أَوِ الْأَعْمَالِ الْيَوْمِيَّةِ.
وَكَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ هٰذَا الْقَرَارَ سَيُوَفِّرُ لَهُ الظُّرُوفَ الْمِثَالِيَّةَ لِلتَّفَرُّغِ لِلْعَمَلِ وَالدِّرَاسَةِ.
فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ كَانَ يُتَابِعُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ مَعَ مُعَالِجَةٍ نَفْسِيَّةٍ بِسَبَبِ اضْطِرَابَاتٍ مُتَكَرِّرَةٍ فِي الْمِزَاجِ.
وَقَدْ بَدَأَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ رُبَّمَا يُعَانِي اضْطِرَابًا وِجْدَانِيًّا ثُنَائِيَّ الْقُطْبِ بِسَبَبِ تَكَرُّرِ الِانْتِكَاسَاتِ عَلَى فَتَرَاتٍ مُتَقَارِبَةٍ.
لَكِنَّ مَوْضُوعًا آخَرَ كَانَ يَشْغَلُهُ بِاسْتِمْرَارٍ.
كَانَ يَعُودُ فِي جَلَسَاتِهِ الْعِلَاجِيَّةِ إِلَى سُؤَالٍ وَاحِدٍ يَتَكَرَّرُ بِصُورَةٍ مُلِحَّةٍ:
هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِثْلِيًّا جِنْسِيًّا؟
لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ نَابِعًا مِنِ انْجِذَابٍ وَاضِحٍ لِلرِّجَالِ بِقَدْرِ مَا كَانَ مُحَاوَلَةً لِفَهْمِ بَعْضِ الصُّعُوبَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَالْعَاطِفِيَّةِ الَّتِي كَانَ يُعَانِي مِنْهَا.
وَكَانَ مُتَأَثِّرًا بِبَعْضِ الْأَفْكَارِ التَّحْلِيلِيَّةِ الَّتِي تَرْبِطُ بَيْنَ عَلَاقَةِ الْفَرْدِ بِوَالِدَيْهِ وَبَيْنَ تَطَوُّرِهِ النَّفْسِيِّ اللَّاحِقِ.
حَاوَلَتِ الْمُعَالِجَةُ النَّفْسِيَّةُ أَنْ تُسَاعِدَهُ عَلَى اخْتِبَارِ هٰذِهِ الْمَخَاوِفِ فِي الْوَاقِعِ بَدَلًا مِنَ الدَّوَرَانِ حَوْلَهَا نَظَرِيًّا.
وَفِي إِحْدَى الْمَرَّاتِ شَجَّعَتْهُ عَلَى حُضُورِ مَعْرِضٍ يُمْكِنُ أَنْ يَلْتَقِيَ فِيهِ بِفَتَيَاتٍ فِي جَوٍّ طَبِيعِيٍّ.
أُعْجِبَ بِإِحْدَى الْفَتَيَاتِ بِالْفِعْلِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ بِنَاءَ عَلَاقَةٍ مَعَهَا.
وَفِي مُنَاسَبَةٍ أُخْرَى رَتَّبَتْ لَهُ لِقَاءً مَعَ فَتَاةٍ أُخْرَى، لَكِنَّ اللِّقَاءَ انْتَهَى بِصُورَةٍ مُفَاجِئَةٍ عِنْدَمَا قَالَتْ لَهُ إِنَّهَا تُفَضِّلُ الْفَتَيَاتِ مِثْلِيَّاتِ الْجِنْسِ، وَهُوَ مَا أَثَارَ اسْتِغْرَابَهُ وَغَضَبَهُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
وَكَانَ يَتَذَكَّرُ أَيْضًا زِيَارَةً عَائِلِيَّةً كَانَ مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ تَكُونَ عَادِيَّةً.
كَانَ فِي مَنْزِلِ أَخِيهِ الْأَكْبَرِ يَسْتَقْبِلُ ضُيُوفًا أَجَانِبَ إِلَى أَنْ يَعُودَ مِنْ عَمَلِهِ.
وَكَانَ يَوْمَهَا مُتْعَبًا نَفْسِيًّا وَمَكْدُورَ الْمِزَاجِ.
وَخِلَالَ الزِّيَارَةِ حَضَرَتْ فَتَاتَانِ جَمِيلَتَانِ إِلَى بَابِ الْمَنْزِلِ لِإِيصَالِ إِنَاءٍ إِلَى زَوْجَةِ أَخِيهِ.
مَرَّ الْمَوْقِفُ سَرِيعًا، لَكِنَّهُ تَذَكَّرَ أَنَّهُ بَعْدَ مُغَادَرَتِهِمَا شَعَرَ بِالنَّدَمِ لِأَنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ أَيَّ اهْتِمَامٍ أَوْ تَفَاعُلٍ.
وَهٰكَذَا بَدَأَتِ الْأَسْئِلَةُ تَتَكَاثَرُ فِي دَاخِلِهِ، وَبَدَأَ الْقَلَقُ يَتَصَاعَدُ تَدْرِيجِيًّا، دُونَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يَقْتَرِبُ مِنْ أَوَّلِ مُنْعَطَفٍ كَبِيرٍ فِي رِحْلَتِهِ مَعَ الْمَرَضِ النَّفْسِيِّ.
ثُمَّ جَاءَتِ الْحَادِثَةُ الَّتِي مَا زَالَتْ حَاضِرَةً فِي ذَاكِرَتِهِ حَتَّى الْيَوْمِ.
كَانَتِ الْمُعَالِجَةُ النَّفْسِيَّةُ قَدِ اقْتَرَحَتْ عَلَيْهِ الذَّهَابَ إِلَى أَحَدِ الصَّالُونَاتِ لِلتَّعَرُّفِ عَلَى أَشْخَاصٍ جُدُدٍ وَتَوْسِيعِ دَائِرَةِ مَعَارِفِهِ.
اتَّصَلَ بِصَاحِبِ الصَّالُونِ لِلِاسْتِفْسَارِ عَنِ التَّكْلِفَةِ، لَكِنَّهُ وَجَدَهَا مُرْتَفِعَةً فَاعْتَذَرَ عَنِ الْحُضُورِ.
وَبَعْدَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ تَلَقَّى مُكَالَمَةً هَاتِفِيَّةً أُخْرَى.
عِنْدَمَا أَجَابَ، سَمِعَ صَوْتَ طِفْلَةٍ تُوَجِّهُ إِلَيْهِ اتِّهَامًا بِالْمِثْلِيَّةِ الْجِنْسِيَّةِ، قَبْلَ أَنْ تُنْهِيَ الْمُكَالَمَةَ بِسُرْعَةٍ.
لَمْ يَسْتَوْعِبْ مَا حَدَثَ.
وَرَغْمَ بَسَاطَةِ الْوَاقِعَةِ ظَاهِرِيًّا، فَقَدْ تَرَكَتْ أَثَرًا عَمِيقًا فِي نَفْسِهِ.
بَعْدَ ذٰلِكَ خَرَجَ مِنَ الْمَنْزِلِ.
وَخِلَالَ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ وَقَعَتْ سِلْسِلَةٌ مِنَ الْمَوَاقِفِ مَعَ بَعْضِ الْجِيرَانِ وَالْمَعَارِفِ.
كَانَتْ بَعْضُ التَّصَرُّفَاتِ أَوِ التَّعْلِيقَاتِ تَحْمِلُ طَابَعًا مُسْتَفِزًّا أَوْ سَاخِرًا، وَبَدَأَ يَشْعُرُ أَنَّهُ أَصْبَحَ مَوْضِعَ اهْتِمَامٍ أَوْ مُلَاحَظَةٍ مِنَ الْآخَرِينَ.
وَفِي ذٰلِكَ الْوَقْتِ كَانَ يُفَسِّرُ هٰذِهِ الْوَقَائِعَ بِاعْتِبَارِهَا مُتَرَابِطَةً، وَيَشْعُرُ بِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَتَحَدَّثُ عَنْهُ أَوْ يَعْرِفُ أُمُورًا خَاصَّةً بِهِ.
وَمَعَ مُرُورِ الْأَيَّامِ تَصَاعَدَ الْقَلَقُ إِلَى دَرَجَةٍ كَبِيرَةٍ.
وَبَدَأَ يَسْأَلُ أَفْرَادَ الْعَائِلَةِ بِصُورَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ عَنْ أُمُورٍ تَتَعَلَّقُ بِهُوِيَّتِهِ وَنَظْرَةِ الْآخَرِينَ إِلَيْهِ.
كَمَا أَصْبَحَ أَكْثَرَ حَسَّاسِيَّةً تُجَاهَ نَظَرَاتِ النَّاسِ وَتَعْلِيقَاتِهِمْ.
ثُمَّ ظَهَرَتْ مَخَاوِفُ أُخْرَى، مِنْ بَيْنِهَا الشُّعُورُ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُرَاقَبًا أَوْ مَحَلَّ مُتَابَعَةٍ.
وَصَلَ التَّوَتُّرُ النَّفْسِيُّ إِلَى مُسْتَوًى لَمْ يَعُدْ قَادِرًا عَلَى احْتِمَالِهِ.
وَفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ طَلَبَ مِنْ وَالِدَتِهِ أَنْ تُرَافِقَهُ إِلَى الْمُعَالِجَةِ النَّفْسِيَّةِ بِصُورَةٍ عَاجِلَةٍ.
وَعِنْدَمَا اقْتَرَبَا مِنَ الْعِيَادَةِ، كَانَ فِي حَالَةٍ مِنَ الْخَوْفِ الشَّدِيدِ وَالِانْفِعَالِ الْوَاضِحِ.
اسْتَقْبَلَتْهُ الْمُعَالِجَةُ النَّفْسِيَّةُ، وَحَاوَلَتْ تَهْدِئَتَهُ.
وَلَا يَتَذَكَّرُ الْيَوْمَ تَفَاصِيلَ الْجَلْسَةِ بِدِقَّةٍ، لَكِنَّهُ يَتَذَكَّرُ شُعُورًا عَامًّا بِالِانْهِيارِ وَالْخَوْفِ وَفَقْدَانِ الْإِحْسَاسِ بِالْأَمَانِ.
وَخِلَالَ الْأَسَابِيعِ التَّالِيَةِ ازْدَادَتِ الْأَعْرَاضُ حِدَّةً، وَأَصْبَحَتِ الْعَائِلَةُ تَشْعُرُ بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ عَلَى حَالَتِهِ.
وَتَمَّتِ اسْتِشَارَتُهُ مِنْ قِبَلِ أَكْثَرَ مِنْ طَبِيبٍ نَفْسِيٍّ، وَتَعَدَّدَتِ التَّفْسِيرَاتُ وَالتَّشْخِيصَاتُ.
وَفِي النِّهَايَةِ وَصَلَتْ حَالَتُهُ إِلَى دَرَجَةٍ اسْتَدْعَتْ أَوَّلَ دُخُولٍ إِلَى الْمُسْتَشْفَى.
وَكَانَ ذٰلِكَ أَوَّلَ فَصْلٍ حَقِيقِيٍّ فِي رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ مَعَ الْمَرَضِ النَّفْسِيِّ، رِحْلَةٍ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّهَا سَتُرَافِقُهُ لِعُقُودٍ قَادِمَةٍ.
في الفصل القادم: يدخل الطبيب المستشفى للمرة الأولى... لكن هذه المرة ليس طبيبًا، بل مريضًا.
ليس أصعب ما في هذه القصة دخولُ المستشفى... بل أن يدخلها طبيبٌ شابٌّ لأول مرة، لا ليعالج المرضى، بل ليصبح أحدهم.
الفصل الثالث من مذكرات: "طبيب في مواجهة نفسه".
الْمُسْتَشْفَى الْأَوَّلُ: سُقُوطُ الطَّبِيبِ
لَمْ يَكُنْ دُخُولُهُ الْأَوَّلُ إِلَى الْمُسْتَشْفَى حَدَثًا طِبِّيًّا فَقَطْ، بَلْ كَانَ زِلْزَالًا نَفْسِيًّا وَإِنْسَانِيًّا غَيَّرَ مَجْرَى حَيَاتِهِ.
كَانَ طَبِيبًا شَابًّا فِي بِدَايَةِ مَسَارِهِ الْمِهْنِيِّ. أَمْضَى سِنِينَ طَوِيلَةً فِي دِرَاسَةِ الْأَمْرَاضِ وَتَشْخِيصِهَا وَعِلَاجِهَا. وَاعْتَادَ أَنْ يَقِفَ إِلَى جَانِبِ سَرِيرِ الْمَرِيضِ، لَا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَرِيضَ الْمُسْتَلْقِيَ عَلَيْهِ.
لَكِنَّ الْحَيَاةَ كَانَتْ تُخْفِي لَهُ دَرْسًا لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُهُ.
فَخِلَالَ الْأَسَابِيعِ الَّتِي سَبَقَتْ دُخُولَهُ الْمُسْتَشْفَى، أَخَذَتْ حَالَتُهُ النَّفْسِيَّةُ تَتَدَهْوَرُ تَدْرِيجِيًّا. أَصْبَحَ الْقَلَقُ رَفِيقَهُ فِي مُعْظَمِ سَاعَاتِ الْيَوْمِ، وَلَمْ تَعُدِ الْأَفْكَارُ الَّتِي تُلِحُّ عَلَيْهِ مُجَرَّدَ تَسَاؤُلَاتٍ عَابِرَةٍ، بَلْ غَدَتْ مَصْدَرًا دَائِمًا لِلْخَوْفِ وَالْمُعَانَاةِ.
كَانَ يُرَاقِبُ كَلِمَاتِ النَّاسِ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ وَنَظَرَاتِهِمْ، بَاحِثًا عَنْ مَعْنًى يُفَسِّرُ لَهُ مَا يَجْرِي فِي دَاخِلِهِ. وَأَصْبَحَ أَكْثَرَ حَسَّاسِيَّةً لِكُلِّ تَعْلِيقٍ، وَأَيِّ إِشَارَةٍ، وَأَبْسَطِ مَوْقِفٍ.
وَفِي الْمَنْزِلِ، كَانَ يُعِيدُ طَرْحَ الْأَسْئِلَةِ ذَاتِهَا عَلَى أَفْرَادِ أُسْرَتِهِ، عَلَّهُ يَجِدُ طُمَأْنِينَةً تُسْكِتُ ذٰلِكَ الصَّوْتَ الْمُلِحَّ فِي دَاخِلِهِ. وَلَكِنَّ الرَّاحَةَ لَمْ تَكُنْ تَدُومُ، فَمَا إِنْ تَخْفُتَ الْمَخَاوِفُ قَلِيلًا، حَتَّى تَعُودَ أَشَدَّ مِمَّا كَانَتْ.
كَانَتِ الْأُسْرَةُ تُشَاهِدُ هٰذَا التَّغَيُّرَ بِقَلَقٍ وَأَلَمٍ. فَلَمْ يَعُدْ ذٰلِكَ الطَّالِبُ الْمُتَفَوِّقُ وَالطَّبِيبُ الْوَاعِدُ الَّذِي عَرَفُوهُ سِنِينَ طَوِيلَةً، بَلْ إِنْسَانًا يُكَافِحُ مَعْرَكَةً لَا يَرَاهَا أَحَدٌ.
عِنْدَمَا اصْطَحَبَهُ أَخُوهُ الْأَكْبَرُ إِلَى أَحَدِ الْأَطِبَّاءِ النَّفْسِيِّينَ، كَانَ الْجَمِيعُ يَرْجُو أَنْ يَجِدَ تَفْسِيرًا لِمَا يَحْدُثُ. وَتَعَدَّدَتِ الْآرَاءُ وَالتَّشْخِيصَاتُ، بَيْنَ الِاكْتِئَابِ وَاضْطِرَابِ الْمِزَاجِ.
أَمَّا هُوَ، فَلَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى تَقَبُّلِ فِكْرَةِ الْمَرَضِ بِشَكْلٍ كَامِلٍ. وَمِثْلَ كَثِيرٍ مِنَ الْمَرْضَى، كَانَ يَرَى مُعَانَاتَهُ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُدْرِكُ بَعْدُ حَجْمَ الْمَرَضِ الَّذِي يَقِفُ وَرَاءَهَا.
وَمَعَ مُرُورِ الْأَيَّامِ، بَلَغَتِ الْأَعْرَاضُ ذُرْوَتَهَا.
جَاءَتْ نَوْبَةٌ مِنَ الْخَوْفِ الشَّدِيدِ وَالرُّعْبِ النَّفْسِيِّ لَمْ يَعْرِفْ مِثْلَهَا مِنْ قَبْلُ. وَلَمْ يَعُدِ الْأَمْرُ مُجَرَّدَ قَلَقٍ أَوْ حُزْنٍ، بَلْ أَصْبَحَ شُعُورًا طَاغِيًا بِفَقْدَانِ الْأَمَانِ وَالسَّيْطَرَةِ.
عِنْدَ تِلْكَ اللَّحْظَةِ، اتُّخِذَ الْقَرَارُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنَّهُ سَيُوَاجِهُهُ: دُخُولُ الْمُسْتَشْفَى.
كَانَ وَقْعُ الْقَرَارِ ثَقِيلًا عَلَيْهِ وَعَلَى أُسْرَتِهِ.
فَفِي مُجْتَمَعٍ لَا يَزَالُ الْمَرَضُ النَّفْسِيُّ يُحَاطُ بِالْكَثِيرِ مِنَ الْوَصْمَةِ وَسُوءِ الْفَهْمِ، كَانَتِ الصَّدْمَةُ أَشَدَّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ مَرِيضٍ، بَلْ كَانَ طَبِيبًا فِي بِدَايَةِ مِشْوَارِهِ.
كَانَ يَعْرِفُ الْمُسْتَشْفَى مِنَ الْكُتُبِ وَالْمُحَاضَرَاتِ وَالتَّدَارِيبِ السَّرِيرِيَّةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَخَيَّلْ قَطُّ أَنْ يَدْخُلَهُ مَرِيضًا.
وَدَاخِلَ جُدْرَانِ الْمُسْتَشْفَى، ابْتَدَأَتْ مَرْحَلَةٌ جَدِيدَةٌ مِنْ حَيَاتِهِ.
هُنَاكَ أَدْرَكَ حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ قَدْ فَهِمَهَا بِعُمْقٍ مِنْ قَبْلُ:
إِنَّ الْمَرَضَ النَّفْسِيَّ لَا يَخْتَارُ ضَحَايَاهُ عَلَى أَسَاسِ الذَّكَاءِ، أَوِ الثَّقَافَةِ، أَوِ الْمَنْصِبِ، أَوِ الشَّهَادَةِ.
فَبَيْنَ جُدْرَانِ الْمُسْتَشْفَى، تَسْقُطُ الْأَلْقَابُ كُلُّهَا، وَلَا يَبْقَى إِلَّا الْإِنْسَانُ، بِضَعْفِهِ، وَأَلَمِهِ، وَحَاجَتِهِ إِلَى الْعَوْنِ.
وَمَعَ بَدْءِ الْعِلَاجِ الدَّوَائِيِّ، أَخَذَتِ الْأَعْرَاضُ تَخِفُّ شَيْئًا فَشَيْئًا. لَمْ يَكُنِ التَّحَسُّنُ سَرِيعًا، وَلَكِنَّهُ أَعَادَ إِلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الِاسْتِقْرَارِ.
وَعِنْدَمَا غَادَرَ الْمُسْتَشْفَى لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، لَمْ يَكُنِ الشَّخْصَ نَفْسَهُ الَّذِي دَخَلَهُ.
لَمْ يَكُنْ قَدْ شُفِيَ تَمَامًا، وَلَمْ تَكُنِ الْأَسْئِلَةُ الْكُبْرَى قَدْ وَجَدَتْ أَجْوِبَتَهَا، لَكِنَّهُ خَرَجَ بِحَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ لَنْ يَنْسَاهَا أَبَدًا:
إِنَّ الْمَرَضَ النَّفْسِيَّ لَمْ يَعُدْ نَظَرِيَّةً يَقْرَؤُهَا فِي الْكُتُبِ، بَلْ أَصْبَحَ جُزْءًا مِنْ تَجْرِبَتِهِ الْإِنْسَانِيَّةِ.
وَمُنْذُ ذٰلِكَ الْيَوْمِ، ابْتَدَأَتْ رِحْلَةٌ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ؛ رِحْلَةُ التَّعَايُشِ مَعَ مَرَضٍ مُزْمِنٍ، وَالْبَحْثِ عَنْ حَيَاةٍ يَبْقَى فِيهَا الْأَمَلُ أَقْوَى مِنَ الْأَلَمِ.
الفَصْلُ الرَّابِعُ :بَيْنَ الطِّبِّ وَالْمَرَضِ: حَيَاةٌ عَلَى جَبْهَتَيْنِ
عِنْدَمَا خَرَجَ مِنَ الْمُسْتَشْفَى لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَخْصًا مُعَافًى تَمَامًا، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ مَهْزُومًا.
كَانَ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ شُعُورَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ.
الْأَوَّلُ هُوَ الِارْتِيَاحُ؛ لِأَنَّ الْعَاصِفَةَ النَّفْسِيَّةَ الَّتِي اجْتَاحَتْهُ بَدَأَتْ تَهْدَأُ تَدْرِيجِيًّا.
أَمَّا الثَّانِي فَكَانَ شُعُورًا ثَقِيلًا بِالصَّدْمَةِ، فَقَدْ أَصْبَحَ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى فِي حَيَاتِهِ، طَبِيبًا وَمَرِيضًا نَفْسِيًّا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ.
كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَيْفَ يَعِيشُ بِهٰذِهِ الْهُوِيَّةِ الْجَدِيدَةِ.
عَادَ إِلَى عَمَلِهِ، وَعَادَ إِلَى الْمُسْتَشْفَى الَّذِي كَانَ يُمَارِسُ فِيهِ مِهْنَتَهُ، لَكِنَّ شَيْئًا مَا كَانَ قَدْ تَغَيَّرَ فِي نَظْرَتِهِ إِلَى الْمَرْضَى وَإِلَى نَفْسِهِ.
قَبْلَ ذٰلِكَ كَانَ يَرَى الْمَرَضَ النَّفْسِيَّ مِنَ الْخَارِجِ، أَمَّا الْآنَ فَقَدْ أَصْبَحَ يَعْرِفُ شَيْئًا مِنَ الدَّاخِلِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ فِي الْكُتُبِ الدِّرَاسِيَّةِ: الْخَوْفَ، وَالِارْتِبَاكَ، وَالْوَصْمَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ، وَالشُّعُورَ بِفُقْدَانِ السَّيْطَرَةِ عَلَى النَّفْسِ.
وَرَغْمَ ذٰلِكَ وَاصَلَ عَمَلَهُ.
كَانَ يَسْتَقْبِلُ الْمَرْضَى، وَيَفْحَصُهُمْ، وَيَصِفُ لَهُمُ الْعِلَاجَ، وَيُحَاوِلُ أَنْ يُؤَدِّيَ وَاجِبَهُ الْمِهْنِيَّ بِأَفْضَلِ مَا يَسْتَطِيعُ. وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ كَانَ يُتَابِعُ عِلَاجَهُ النَّفْسِيَّ وَيُحَاوِلُ الْحِفَاظَ عَلَى تَوَازُنِهِ الشَّخْصِيِّ.
لَمْ تَكُنِ الْمُهِمَّةُ سَهْلَةً.
فَالْعِلَاجُ الدَّوَائِيُّ خَفَّفَ كَثِيرًا مِنَ الْأَعْرَاضِ، لَكِنَّهُ حَمَلَ مَعَهُ آثَارًا جَانِبِيَّةً أَثَّرَتْ فِي حَيَاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ. كَمَا أَنَّ فِكْرَةَ الْإِصَابَةِ بِمَرَضٍ نَفْسِيٍّ مُزْمِنٍ كَانَتْ تَحْتَاجُ إِلَى وَقْتٍ طَوِيلٍ حَتَّى يَسْتَوْعِبَهَا.
مَرَّتِ السَّنَوَاتُ التَّالِيَةُ بَيْنَ فَتَرَاتٍ مِنَ الِاسْتِقْرَارِ النِّسْبِيِّ وَفَتَرَاتٍ مِنَ التَّرَاجُعِ.
فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ كَانَ يَشْعُرُ أَنَّهُ اسْتَعَادَ نَفْسَهُ الْقَدِيمَةَ: الطَّبِيبَ الْمُجْتَهِدَ، وَالْقَارِئَ الشَّغُوفَ، وَالْإِنْسَانَ الْقَادِرَ عَلَى التَّخْطِيطِ لِلْمُسْتَقْبَلِ.
وَفِي أَوْقَاتٍ أُخْرَى كَانَتِ الْأَعْرَاضُ تَعُودُ بِدَرَجَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ، فَتَفْرِضُ عَلَيْهِ إِعَادَةَ تَرْتِيبِ أَوْلَوِيَّاتِهِ مِنْ جَدِيدٍ.
خِلَالَ تِلْكَ السَّنَوَاتِ أَصْبَحَ التَّدْخِينُ رَفِيقًا دَائِمًا تَقْرِيبًا.
لَمْ يَكُنِ التَّدْخِينُ مُجَرَّدَ عَادَةٍ نِيكُوتِينِيَّةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، بَلْ كَانَ يُؤَدِّي وَظَائِفَ نَفْسِيَّةً مُتَعَدِّدَةً: يُخَفِّفُ التَّوَتُّرَ مُؤَقَّتًا، وَيَمْلَأُ الْفَرَاغَ، وَيَمْنَحُ شُعُورًا عَابِرًا بِالسَّيْطَرَةِ فِي لَحَظَاتٍ كَثِيرَةٍ كَانَ يَشْعُرُ فِيهَا بِالْعَجْزِ.
وَمَعَ مُرُورِ الْوَقْتِ أَصْبَحَ هٰذَا الرَّفِيقُ عِبْئًا آخَرَ يُضَافُ إِلَى أَعْبَائِهِ.
فِي حَيَاتِهِ الْمِهْنِيَّةِ كَانَ يَعِيشُ مُفَارَقَةً غَرِيبَةً.
كَانَ يُسَاعِدُ الْمَرْضَى عَلَى فَهْمِ أَمْرَاضِهِمْ وَالتَّكَيُّفِ مَعَهَا، بَيْنَمَا كَانَ يُحَاوِلُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ فَهْمَ مَرَضِهِ الْخَاصِّ وَالتَّكَيُّفَ مَعَهُ.
أَحْيَانًا كَانَ يَشْعُرُ بِأَنَّ تَجْرِبَتَهُ الشَّخْصِيَّةَ جَعَلَتْهُ أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى فَهْمِ مُعَانَاةِ الْآخَرِينَ.
وَأَحْيَانًا أُخْرَى كَانَ يَتَسَاءَلُ فِي صَمْتٍ:
كَيْفَ يُمْكِنُ لِطَبِيبٍ يَعْرِفُ كُلَّ هٰذِهِ الْمَعْلُومَاتِ الطِّبِّيَّةَ أَنْ يَعْجِزَ عَنْ تَحْرِيرِ نَفْسِهِ مِنَ الْأَلَمِ النَّفْسِيِّ؟
لَكِنَّ السَّنَوَاتِ عَلَّمَتْهُ شَيْئًا مُهِمًّا.
الْمَعْرِفَةُ الطِّبِّيَّةُ لَا تَمْنَحُ حَصَانَةً ضِدَّ الْمَرَضِ.
فَالطَّبِيبُ يَبْقَى إِنْسَانًا، يَخْضَعُ لِلْقَوَانِينِ الْبِيُولُوجِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ نَفْسِهَا الَّتِي يَخْضَعُ لَهَا جَمِيعُ الْبَشَرِ.
وَهٰكَذَا مَضَتْ سَنَوَاتٌ طَوِيلَةٌ.
لَمْ تَكُنْ سَنَوَاتِ انْتِصَارٍ كَامِلٍ، وَلَمْ تَكُنْ سَنَوَاتِ هَزِيمَةٍ كَامِلَةٍ.
بَلْ كَانَتْ سَنَوَاتِ مُقَاوَمَةٍ.
سَنَوَاتٍ تَعَلَّمَ فِيهَا أَنَّ الْحَيَاةَ لَا تُقَاسُ فَقَطْ بِالْأَحْلَامِ الَّتِي تَحَقَّقَتْ، بَلْ أَيْضًا بِالْمَعَارِكِ الَّتِي خَاضَهَا الْإِنْسَانُ وَلَمْ يَسْتَسْلِمْ فِيهَا.
كَانَ يُوَاصِلُ الْعَمَلَ، وَيُوَاصِلُ الْعِلَاجَ، وَيُوَاصِلُ الْبَحْثَ عَنْ مَعْنًى لِمَا يَحْدُثُ لَهُ.
وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ اخْتِبَارًا آخَرَ كَانَ يَنْتَظِرُهُ فِي السَّنَوَاتِ الْقَادِمَةِ:
التَّدْخِينُ الَّذِي رَافَقَهُ طَوِيلًا سَيَبْدَأُ فِي الْمُطَالَبَةِ بِثَمَنِهِ الْجَسَدِيِّ الْبَاهِظِ.
الفَصْلُ الْخَامِسُ :الرِّئَتَانِ اللَّتَانِ دَفَعَتَا الثَّمَنَ
إِذَا كَانَ الْمَرَضُ النَّفْسِيُّ قَدْ رَافَقَهُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً، فَإِنَّ التَّدْخِينَ كَانَ الرَّفِيقَ الْآخَرَ الَّذِي سَارَ إِلَى جَانِبِهِ.
بَدَأَ الْأَمْرُ كَمَا يَبْدَأُ عِنْدَ كَثِيرِينَ: سِيجَارَةٌ هُنَا، وَأُخْرَى هُنَاكَ. لَمْ يَكُنْ يُفَكِّرُ يَوْمَهَا فِي الْأَرْقَامِ أَوِ الْإِحْصَائِيَّاتِ أَوِ الْأَمْرَاضِ الَّتِي قَدْ تَظْهَرُ بَعْدَ عُقُودٍ. كَانَ يَعِيشُ يَوْمَهُ، وَيَبْحَثُ عَنْ وَسِيلَةٍ تُخَفِّفُ التَّوَتُّرَ وَتَمْنَحُهُ شَيْئًا مِنَ الرَّاحَةِ الْمُؤَقَّتَةِ.
مَعَ مُرُورِ السَّنَوَاتِ تَحَوَّلَ التَّدْخِينُ إِلَى جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ.
كَانَ حَاضِرًا فِي لَحَظَاتِ الْقَلَقِ، وَفِي فَتَرَاتِ الْوَحْدَةِ، وَبَعْدَ سَاعَاتِ الْعَمَلِ الطَّوِيلَةِ، وَأَثْنَاءَ التَّفْكِيرِ، وَأَحْيَانًا حَتَّى أَثْنَاءَ مُحَاوَلَتِهِ الْهُرُوبَ مِنَ التَّفْكِيرِ.
لَمْ تَكُنِ السِّيجَارَةُ مُجَرَّدَ نِيكُوتِينٍ.
بَلْ كَانَتْ طَقْسًا نَفْسِيًّا كَامِلًا.
إِشْعَالُ السِّيجَارَةِ، وَاسْتِنْشَاقُ الدُّخَانِ، وَالْإِمْسَاكُ بِهَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَالْخُرُوجُ لِبَضْعِ دَقَائِقَ بَعِيدًا عَنْ ضُغُوطِ الْحَيَاةِ؛ كُلُّهَا تَفَاصِيلُ أَصْبَحَتْ مُرْتَبِطَةً فِي ذِهْنِهِ بِالْهُدُوءِ الْمُؤَقَّتِ.
وَكُلَّمَا ازْدَادَتِ الضُّغُوطُ النَّفْسِيَّةُ، ازْدَادَ ارْتِبَاطُهُ بِهٰذَا الطَّقْسِ.
كَانَ طَبِيبًا، وَيَعْرِفُ جَيِّدًا مَا يَفْعَلُهُ التَّدْخِينُ بِالرِّئَتَيْنِ وَالْقَلْبِ وَالشَّرَايِينِ. كَانَ يَشْرَحُ مَخَاطِرَهُ لِلْمَرْضَى، وَيَقْرَأُ الدِّرَاسَاتِ الطِّبِّيَّةَ حَوْلَهُ، وَيَرَى نَتَائِجَهُ فِي الْمُسْتَشْفَيَاتِ.
لَكِنَّ الْمَعْرِفَةَ وَحْدَهَا لَمْ تَكُنْ كَافِيَةً لِكَسْرِ الْإِدْمَانِ.
كَانَ جُزْءٌ مِنْهُ يَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ الْعِلْمِيَّةَ، وَجُزْءٌ آخَرُ يَبْحَثُ فَقَطْ عَنْ لَحْظَةِ رَاحَةٍ إِضَافِيَّةٍ.
مَرَّتِ السَّنَوَاتُ.
وَأَخَذَ التَّدْخِينُ حِصَّتَهُ بِصَمْتٍ.
لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ كَارِثَةٌ مُفَاجِئَةٌ، بَلْ تَرَاجُعٌ بَطِيءٌ وَمُتَدَرِّجٌ لَا يَكَادُ يُلَاحَظُ مِنْ يَوْمٍ إِلَى آخَرَ. لَكِنَّ الْجَسَدَ كَانَ يُسَجِّلُ الْحِسَابَ بِدِقَّةٍ.
ثُمَّ جَاءَتِ اللَّحْظَةُ الَّتِي لَمْ يَعُدْ بِالْإِمْكَانِ تَجَاهُلُهَا.
بَدَأَ ضِيقُ النَّفَسِ يَفْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى حَيَاتِهِ.
أَصْبَحَتِ الْأَنْشِطَةُ الَّتِي كَانَتْ عَادِيَّةً فِي السَّابِقِ تَحْتَاجُ إِلَى جُهْدٍ أَكْبَرَ. وَبَدَأَتِ الرِّئَتَانِ تُرْسِلَانِ إِشَارَاتٍ وَاضِحَةً بِأَنَّهُمَا لَمْ تَعُودَا قَادِرَتَيْنِ عَلَى تَحَمُّلِ مَا تَحَمَّلَتَاهُ لِعُقُودٍ.
شَيْئًا فَشَيْئًا لَمْ يَعُدِ الْمَرَضُ النَّفْسِيُّ هُوَ التَّحَدِّيَ الْوَحِيدَ.
ظَهَرَ تَحَدٍّ جَدِيدٌ أَكْثَرُ مَادِّيَّةً وَأَكْثَرُ وُضُوحًا.
أَصْبَحَ التَّنَفُّسُ نَفْسُهُ قَضِيَّةً يَوْمِيَّةً.
وَكَانَتْ تِلْكَ تَجْرِبَةً مُخْتَلِفَةً تَمَامًا عَنْ كُلِّ مَا عَرَفَهُ مِنْ قَبْلُ.
فَالْإِنْسَانُ قَدْ يَتَكَيَّفُ مَعَ الْحُزْنِ وَالْقَلَقِ وَالْخَوْفِ بِدَرَجَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، لَكِنَّهُ عِنْدَمَا يَشْعُرُ بِأَنَّ الْهَوَاءَ نَفْسَهُ أَصْبَحَ أَقَلَّ وُفْرَةً، يَكْتَشِفُ هَشَاشَتَهُ بِطَرِيقَةٍ مُبَاشِرَةٍ وَقَاسِيَةٍ.
عِنْدَمَا دَخَلَ الْأُوكْسِجِينُ إِلَى حَيَاتِهِ، شَعَرَ أَنَّ مَرْحَلَةً كَامِلَةً قَدِ انْتَهَتْ.
لَمْ يَعُدِ الْأَمْرُ يَتَعَلَّقُ فَقَطْ بِالْإِقْلَاعِ عَنْ عَادَةٍ سَيِّئَةٍ، بَلْ أَصْبَحَ يَتَعَلَّقُ بِالْحِفَاظِ عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَى التَّنَفُّسِ وَالِاسْتِمْرَارِ.
كَانَتْ تِلْكَ مِنْ أَكْثَرِ الْمَحَطَّاتِ إِيلَامًا فِي حَيَاتِهِ.
لَيْسَ فَقَطْ بِسَبَبِ الْمَرَضِ الْجَسَدِيِّ، بَلْ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ جَيِّدًا الْعَلَاقَةَ بَيْنَ السَّبَبِ وَالنَّتِيجَةِ.
كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً مِنَ التَّدْخِينِ سَاهَمَتْ فِي الْوُصُولِ إِلَى هٰذِهِ النُّقْطَةِ.
وَمَعَ ذٰلِكَ لَمْ يَكُنِ النَّدَمُ وَحْدَهُ كَافِيًا.
كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْ جَدِيدٍ كَيْفَ يَعِيشُ.
بَدَأَتْ مُحَاوَلَاتُ الْإِقْلَاعِ تَتَكَرَّرُ.
نَجَحَ أَحْيَانًا، وَتَعَثَّرَ أَحْيَانًا أُخْرَى.
وَكَانَ يَكْتَشِفُ فِي كُلِّ مُحَاوَلَةٍ أَنَّ الْمَعْرَكَةَ لَيْسَتْ مَعَ النِّيكُوتِينِ فَقَطْ، بَلْ مَعَ الذِّكْرَيَاتِ وَالْعَادَاتِ وَالْفَرَاغِ النَّفْسِيِّ الَّذِي تَرَكَهُ التَّدْخِينُ خَلْفَهُ.
فَبَعْدَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ لَمْ تَعُدِ السِّيجَارَةُ مَادَّةً فَقَطْ، بَلْ أَصْبَحَتْ جُزْءًا مِنْ طَرِيقَةٍ كَامِلَةٍ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْحَيَاةِ.
وَمَعَ كُلِّ مُحَاوَلَةٍ جَدِيدَةٍ كَانَ يَتَعَلَّمُ دَرْسًا إِضَافِيًّا:
أَنَّ الْإِقْلَاعَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَعْنِي فَقَطِ التَّوَقُّفَ عَنِ التَّدْخِينِ، بَلْ بِنَاءَ حَيَاةٍ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْتَمِرَّ بِدُونِهِ.
وَرَغْمَ الِانْتِكَاسَاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ، لَمْ يَفْقِدْ إِيمَانَهُ بِإِمْكَانِيَّةِ التَّغْيِيرِ.
لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ تَعَلَّمَ مِنَ الْمَرَضِ النَّفْسِيِّ وَالْمَرَضِ الْجَسَدِيِّ مَعًا أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَسْقُطُ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً، لَكِنَّ قِيمَتَهُ لَا تُقَاسُ بِعَدَدِ السَّقَطَاتِ، بَلْ بِعَدَدِ الْمَرَّاتِ الَّتِي يَنْهَضُ فِيهَا مِنْ جَدِيدٍ.
وَهٰكَذَا وَجَدَ نَفْسَهُ فِي مَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ مِنَ الْعُمْرِ.
لَمْ يَعُدْ ذٰلِكَ الطَّالِبَ الْمُتَفَوِّقَ الَّذِي يَحْلُمُ بِالْمُسْتَقْبَلِ فَقَطْ.
وَلَمْ يَعُدْ ذٰلِكَ الطَّبِيبَ الشَّابَّ الَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ وَحْدَهَا تَكْفِي لِحَلِّ كُلِّ الْمُشْكِلَاتِ.
أَصْبَحَ رَجُلًا حَمَلَتْهُ الْحَيَاةُ بَيْنَ الْمَرَضِ النَّفْسِيِّ وَالْمَرَضِ الْجَسَدِيِّ، بَيْنَ الْأَمَلِ وَالْخَيْبَةِ، بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ.
لَكِنَّ شَيْئًا وَاحِدًا بَقِيَ ثَابِتًا:
الرَّغْبَةُ فِي مُوَاصَلَةِ الطَّرِيقِ مَهْمَا كَانَتِ الصُّعُوبَاتُ.
الفَصْلُ السَّادِسُ :ثَلَاثُونَ عَامًا لَاحِقًا: مَاذَا بَقِيَ مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ؟
بَعْدَ ثَلَاثِينَ عَامًا مِنْ بِدَايَةِ الرِّحْلَةِ، مَا زَالَ يَجِدُ صُعُوبَةً فِي تَلْخِيصِ مَا حَدَثَ بِكَلِمَاتٍ قَلِيلَةٍ.
هَلْ كَانَتْ قِصَّتُهُ قِصَّةَ مَرَضٍ نَفْسِيٍّ؟
نَعَمْ.
لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ ذٰلِكَ فَقَطْ.
كَانَتْ أَيْضًا قِصَّةَ شَابٍّ دَخَلَ كُلِّيَّةَ الطِّبِّ بِأَحْلَامٍ كَبِيرَةٍ، ثُمَّ اكْتَشَفَ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْأَمْرَاضِ شَيْءٌ، وَالْعَيْشَ مَعَهَا شَيْءٌ آخَرُ تَمَامًا.
خِلَالَ هٰذِهِ الْعُقُودِ الثَّلَاثَةِ حَمَلَ أَسْمَاءً تَشْخِيصِيَّةً مُتَعَدِّدَةً.
فَفِي مَرَاحِلَ مُخْتَلِفَةٍ قِيلَ إِنَّهُ يُعَانِي مِنَ الِاكْتِئَابِ، ثُمَّ مِنِ اضْطِرَابٍ ثُنَائِيِّ الْقُطْبِ، ثُمَّ مِنِ اضْطِرَابٍ فُصَامِيٍّ وِجْدَانِيٍّ. وَكَانَ كُلُّ تَشْخِيصٍ يُحَاوِلُ أَنْ يُفَسِّرَ جَانِبًا مِنَ التَّجْرِبَةِ، دُونَ أَنْ يَنْجَحَ بِالضَّرُورَةِ فِي احْتِوَائِهَا كَامِلَةً.
وَالْيَوْمَ، وَبَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ التَّأَمُّلِ، لَمْ يَعُدِ اسْمُ التَّشْخِيصِ هُوَ السُّؤَالَ الَّذِي يَشْغَلُهُ أَكْثَرَ.
أَصْبَحَ السُّؤَالُ الْأَهَمُّ:
كَيْفَ عَاشَ كُلَّ ذٰلِكَ؟
وَكَيْفَ بَقِيَ وَاقِفًا رَغْمَ كُلِّ مَا حَدَثَ؟
لَقَدْ خَسِرَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً.
خَسِرَ سَنَوَاتٍ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ.
وَخَسِرَ صُورَةً مِثَالِيَّةً كَانَ يَحْمِلُهَا عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ مُسْتَقْبَلِهِ.
وَخَسِرَ جُزْءًا مِنْ ثِقَتِهِ الْعَفْوِيَّةِ بِالْعَالَمِ وَبِالنَّاسِ.
وَخَسِرَ أَيْضًا جُزْءًا مِنْ صِحَّتِهِ الْجَسَدِيَّةِ بِسَبَبِ التَّدْخِينِ الَّذِي رَافَقَهُ طَوِيلًا.
لَكِنَّ الصُّورَةَ لَيْسَتْ سَوْدَاءَ بِالْكَامِلِ.
لَقَدِ اكْتَسَبَ أَشْيَاءَ أُخْرَى لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُهَا.
تَعَلَّمَ أَنَّ الْإِنْسَانَ أَكْثَرُ هَشَاشَةً مِمَّا يَظُنُّ.
وَتَعَلَّمَ أَيْضًا أَنَّهُ أَكْثَرُ قُدْرَةً عَلَى الصُّمُودِ مِمَّا يَتَخَيَّلُ.
تَعَلَّمَ أَنَّ الْأَلَمَ لَا يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ حَكِيمًا بِالضَّرُورَةِ، لَكِنَّهُ يَمْنَحُهُ فُرْصَةً لِرُؤْيَةِ الْحَيَاةِ مِنْ زَاوِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وَتَعَلَّمَ أَنَّ الْمَرَضَ النَّفْسِيَّ لَا يُلْغِي قِيمَةَ الْإِنْسَانِ، وَلَا كَرَامَتَهُ، وَلَا ذَكَاءَهُ.
فَكَمْ مِنْ مَرَّةٍ ظَنَّ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى نِهَايَةِ الطَّرِيقِ، ثُمَّ اكْتَشَفَ أَنَّ الطَّرِيقَ مَا زَالَ يَمْتَدُّ أَمَامَهُ.
عِنْدَمَا كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الطَّبِيبِ الشَّابِّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ يَوْمًا، كَانَ يَشْعُرُ نَحْوَهُ بِمَزِيجٍ مِنَ التَّعَاطُفِ وَالْإِعْجَابِ.
كَانَ يَتَعَاطَفُ مَعَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ فَوْقَ كَتِفَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي لِشَابٍّ فِي ذٰلِكَ الْعُمْرِ.
وَكَانَ يُعْجَبُ بِهِ لِأَنَّهُ وَاصَلَ السَّيْرَ رَغْمَ جَهْلِهِ بِمَا كَانَ يَنْتَظِرُهُ.
وَلَوِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُوَجِّهَ إِلَيْهِ رِسَالَةً الْيَوْمَ، لَقَالَ لَهُ:
لَنْ تَسِيرَ حَيَاتُكَ كَمَا تُخَطِّطُ لَهَا.
وَسَتَتَعَرَّضُ لِخَيْبَاتٍ لَمْ تَكُنْ تَتَوَقَّعُهَا.
وَسَتَعْرِفُ الْخَوْفَ أَكْثَرَ مِمَّا كُنْتَ تَتَصَوَّرُ.
وَسَتَبْكِي عَلَى أَحْلَامٍ لَنْ تَتَحَقَّقَ كَمَا رَسَمْتَهَا.
لَكِنَّكَ سَتَكْتَشِفُ أَيْضًا أَنَّكَ أَقْوَى مِمَّا تَعْتَقِدُ.
وَأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُقَاسُ فَقَطْ بِمَا يُنْجِزُهُ، بَلْ بِمَا يَحْتَمِلُهُ دُونَ أَنْ يَفْقِدَ إِنْسَانِيَّتَهُ.
أَمَّا عَنِ الْمَرَضِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَعُدْ يَرَاهُ عَدُوًّا مُطْلَقًا وَلَا صَدِيقًا.
لَقَدْ أَخَذَ مِنْهُ الْكَثِيرَ.
لَكِنَّ مُوَاجَهَتَهُ أَجْبَرَتْهُ عَلَى مَعْرِفَةِ نَفْسِهِ بِعُمْقٍ لَمْ يَكُنْ لِيَبْلُغَهُ فِي حَيَاةٍ أَسْهَلَ.
أَمَّا عَلَاقَتُهُ بِاللهِ، فَقَدْ مَرَّتْ هِيَ الْأُخْرَى بِمَرَاحِلَ مُتَعَدِّدَةٍ.
كَانَتْ هُنَاكَ لَحَظَاتُ رَجَاءٍ، وَلَحَظَاتُ شَكْوَى، وَلَحَظَاتُ تَسَاؤُلٍ، وَلَحَظَاتُ اسْتِسْلَامٍ هَادِئٍ لِقَضَاءٍ لَا يَمْلِكُ تَغْيِيرَهُ.
وَمَعَ مُرُورِ السَّنَوَاتِ بَدَأَ يَفْهَمُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يُلْغِي الْمُعَانَاةَ، لَكِنَّهُ يَمْنَحُهَا مَعْنًى يُمْكِنُ احْتِمَالُهُ.
لَمْ تَعُدِ الْقَضِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ: لِمَاذَا مَرِضَ؟
بَلْ أَصْبَحَتْ: كَيْفَ يَعِيشُ مَا تَبَقَّى مِنْ حَيَاتِهِ بِأَكْبَرِ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنَ الصِّدْقِ وَالسَّكِينَةِ؟
الْيَوْمَ لَمْ يَعُدْ يَبْحَثُ عَنْ حَيَاةٍ مِثَالِيَّةٍ.
وَلَا عَنْ جَسَدٍ مِثَالِيٍّ.
وَلَا عَنْ مَاضٍ مُخْتَلِفٍ.
بَلْ أَصْبَحَ يَبْحَثُ عَنْ يَوْمٍ هَادِئٍ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَنَفَّسَهُ بِسَلَامٍ.
وَعَنْ لَحْظَةِ حُضُورٍ مَعَ مَنْ يُحِبُّ.
وَعَنْ كَلِمَةٍ نَافِعَةٍ يَقُولُهَا لِمَرِيضٍ أَوْ لِقَارِئٍ أَوْ لِإِنْسَانٍ يُعَانِي كَمَا عَانَى.
رُبَّمَا لَمْ تُصْبِحْ حَيَاتُهُ كَمَا تَخَيَّلَهَا وَهُوَ شَابٌّ.
لَكِنَّهَا أَصْبَحَتْ حَيَاةً حَقِيقِيَّةً.
حَيَاةً فِيهَا ضَعْفٌ وَقُوَّةٌ.
وَفِيهَا خَسَارَةٌ وَرِبْحٌ.
وَفِيهَا مَرَضٌ وَصُمُودٌ.
وَفِيهَا سُقُوطٌ وَنُهُوضٌ.
وَحِينَ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْوَرَاءِ بَعْدَ ثَلَاثِينَ عَامًا، لَمْ يَكُنْ يَرَى قِصَّةَ رَجُلٍ هَزَمَهُ الْمَرَضُ.
بَلْ كَانَ يَرَى قِصَّةَ رَجُلٍ ظَلَّ يَمْشِي رَغْمَ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ فَوْقَ ظَهْرِهِ أَثْقَالًا لَمْ يَرَهَا مُعْظَمُ النَّاسِ.
وَرُبَّمَا كَانَ هٰذَا، فِي النِّهَايَةِ، نَوْعًا آخَرَ مِنَ الِانْتِصَارِ.
يتبع...