༺ حينما تتحوّل السقطة… إلى محطة ༻
ونحن في طريق عودتنا من المدرسة، سقطتُ على الأرض وأنا أرافق والدتي...
أمسكتْ بيدي، وساعدتني على الوقوف وهي تنفض التراب عن قميصي وسروالي.. جمعتُ دفاتري التي كانت قد تناثرت من محفظتي، مسحتْ دموعي، قبلتني.. وهمست في أذني:
«ما عليك يا بني.. حينما تكبر سوف تنسى...»
تابعنا السير وهي تحدثني، محاوِلةً أن تشغل بالي وتمنعني من التفكير فيما حصل لي. وفجأةً توقفت وقالت:
«يا بني، لو كنا نسكن حياً آخر شوارعه معبّدة، ما كنتَ قد تعثرتَ.. فالْحُفَرُ المنتشرة في كل مكان هي ما جعلتك تسقط، ولو أن مسكتي ليدك كانت أقوى، ما كنتَ فقدتَ توازنك».
كانت تحكي وأنا أستمع.. أبداً لم أتكلم ولم أقاطع. كنت أحس من خلال تثاقل خطواتها أنها لا تريد الوصول بي إلى البيت إلا وقد مُحيت السقطة تماماً من فكري.
عادت لتناولني محفظتي قائلة:
«غداً تكبر وتنال من العلم أعلى الدرجات، فيتعبّد طريقك، وتقلّ فرص وقوعك».
كبرتُ.. ومع كل فجر يوم جديد كنتُ أكبر، وبعد كل سقطة كنت أتذكر ما همست لي به أمي. توالت الأيام، وفوق دروب الحياة تعددت سقطاتي، ومع كل سقطة كنت أبكي وأتحسر؛ ليس لأنني سقطت، ولكن لأنها لم تعد معي وبجانبي.. لتنفض التراب عني وتواسيني.
ولقد جئتُ اليوم لأقول لها:
ما أعظمكِ سيدتي! كم أحب شخصيتكِ، وكم أحترم فلسفتكِ. جئتُ اليوم لأعترف لكِ أنني فعلاً نسيتُ كل سقطة حينما كنتُ أمسك بيدكِ.. ولكني عجزتُ، وعجز عقل الكبر، أن ينسى السقطات التي توالت حينما فارقتكِ!
عفواً حبيبتي.. إذا كنتُ قد كبرتُ.. ولم أنسَ!