كانت الحياة، في مرحلةٍ ما، أشبه بظلٍ ثقيلٍ يرافقني أينما اتجهت؛ عشتُ فتراتٍ طويلة من التعاسة، لا لأنني كنت أجهل الفرح، بل لأنني لم أجد من يشاركني صدقه. كان الحضور حولي كثيرًا، لكن القلوب كانت بعيدة، والعلاقات تستنزفني أكثر مما تمنحني.غير أن تلك المرحلة، على قسوتها، لم تكن عبثًا. فقد علّمتني أن الإنسان لا يُقاس بعدد من حوله، بل بصدق من يبقى. ومع مرور الوقت، بدأت أُدرك أن التمسك بكل من يدخل حياتي ليس فضيلة، بل قد يكون ضعفًا إن كان بقاؤهم يؤذيني. وهنا تحديدًا، بدأت رحلتي الحقيقية: رحلة التخلّي.لم يكن التخلي سهلًا، بل كان مؤلمًا في كثير من الأحيان؛ أن تُغلق أبوابًا اعتدت وجودها، وأن تواجه الفراغ الذي يتركه الآخرون. لكنني أدركت أن هذا الفراغ لم يكن خسارة، بل مساحة جديدة تُفسح الطريق لما هو أصدق.وبالفعل، وكأن العوض يأتي في وقته، عرّفني الله بأشخاص يشبهونني، لا في الاهتمامات فحسب، بل في النقاء والصدق. أشخاص لم أشعر معهم بثقل التكلّف، ولا بحاجة إلى التبرير الدائم. كانوا، ببساطة، إضافة لا عبئًا.ومن هنا، يمكن القول إن التجارب القاسية ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بدايته الحقيقية. فالتعاسة التي عشتها لم تدم، لكنها صنعت مني إنسانة أكثر وعيًا بذاتها، أكثر قدرة على الاختيار، وأكثر إيمانًا بأن العوض الجميل لا يأتي صدفة، بل بعد صبرٍ ونضج.
وفي النهاية، يظل السؤال مفتوحًا: هل نحن من نصنع خلاصنا حين نختار الرحيل عمّن يؤذينا، أم أن الخلاص كان ينتظر هذا القرار منذ البداية؟