الضيف المجهول

تعالت ضحكاتنا الطفولية عقيب انتهاء الجميع من تناول الحلويات. كانت احتفالية مشبعة بالألفة الدافئة بين أفراد أسرتي. احتفال بعيد ميلادي الخامس والعشرين. لم أعد صغيراً كي يحتفلوا بهذه المناسبة سنوياً، ولست بالهرم الذي انقطعت حبال سنواته عن التعلق بودّ الألفة.

لم أعد أتذكر آخر مرة أطفأت فيها شموع الكيكة. لقد وضعوا لي شمعة واحدة فقط، وعندما سألت والدتي عن ذلك أجابت:

- ما تزال في عيني ذلك الطفل ذا العام الواحد!

ارتسمت البسمات على وجوه الجميع. والدي الذي كاد أن يصل الستين. والدتي، وأخي نبيل الذي يصغرني بخمسة أعوام. أختي حنان وزوجها وولدها الصغير هاني ذو العشرة أعوام. انشغلت والدتي وأختي بتنظيف المكان، وأخذ كل منا يعبث بجواله كالمعتاد.

فجأة سمعنا صوت جرس الباب. لم نكن بانتظار أحد في هذه الليلة. انطلق هاني ليفتح الباب. عاد بعد لحظات قائلاً:

- هناك رجل غريب يريد خالي مروان.

نهضت من مكاني وتوجهت نحو باب المنزل. لم أعرف من هذا الضيف الغريب الذي يريدني ويعرف اسمي. كان في مثل عمري تقريباً، وفيه بعض الشبه مني إلى درجة ما. كانت ملامحه في غاية الهدوء، مع ابتسامة لطيفة تخفي وراءها شيئاً.

دعوته للدخول فاستجاب بأريحية أذابت أي شكوك حائرة نحوه. كان والدي جالساً حينما دخل، رحب به والدي ودعاه إلى الجلوس. جلس وما تزال ابتسامته اللطيفة حاضرة على شفتيه، وهذا ما زاد في حيرتي.

سألته بعد أن أحضرت له والدتي كوباً من الشاي:

- كيف تعرف اسمي وأنا لم أرك قبل هذا اليوم؟

بقي الغريب غارقاً في صمته الأغرب منه. لم تبد عليه أية تعابير تدل على حالة من التبلد أو تشي بتجاهل متعمد. أخذ يرتشف حسوات من الشاي، وعيناه تؤكدان أنه ليس غريباً عن أفراد الأسرة. كان صمته المطبق يرفع درجة الحيرة لدي، رغم ابتسامته التي زرعها ورداً على شفاهنا جميعاً.

- لم أرك منذ فترة طويلة يا مروان.

انطلقت حروف هذه العبارة كسهم مصوب نحو أذنيّ. تمتمت بيني وبين نفسي:

- مروان! من أين يعرفني هذا الشخص؟ أخذت أنبش في خزانة ذاكرتي عن قسمات وجهه. لا أتذكر أنه كان لي صديق بهذه الملامح، هل يمكن أن يكون أحد زملاء الدراسة؟ لكن، كيف عرف أني هنا؟ هل مجيئه في هذا الوقت مقصود؟

كان شلال من الأسئلة ينهمر على مسمعي. نظرت إلى والدي أحاول اكتناه ما قد يساوره في هذا الحين. كان يحملق في هذا الشاب بنظرات محقق مع متهم دون أن يطرح أي اتهام مباشر له. اتجهت بنظري نحو زوج أختي فما زاد على أن أبقى أصابع يديه متشابكة يحرك إبهاميه في تبادلية منرفزة.

انتبهت إلى أني لم أبادل ضيفي الحديث.

- عفواً، هل تعرفني؟ أقصد هل أعرفك كما تعرف اسمي؟

التزم الغريب الصمت لعدة ثوان.

- بالطبع أعرفك جيداً. إننا أصدقاء منذ فترة طويلة.

- أصدقاء؟! لا بد وأنك مخطىء، فأنا لا أعرف من تكون.

لم يجبني الغريب، وأطبق الصمت ثانية.

التفت والدي نحوه، وسأله:

- يا ابني، من أين تعرف مروان؟

اعتدل الغريب في جلسته. وضع يديه في حجره، وقال موجهاً نظراته نحوي:

- أنا ألتقي بمروان في كل عام، أراه منذ سنوات، وجئت اليوم لتهنئته بعيد ميلاده الخامس والعشرين.

أطبقت حاجبيّ، وعلت الدهشة وازدات حيرتي أكثر. هذا الغريب لا يعرف اسمي وحسب، بل يعرف تاريخ ميلادي، إنه غريب حقاً.

كانت أمي قد ذهبت إلى الغرفة المجاورة مع أختي. توجهت إليها وفي ذهني تساؤلات عديدة، قد أجد إجابات لها عند أمي، قد..

- أمي، هذا الشخص غريب حقاً. يعرفني جيداً ويدعي أنه يلقاني كل عام. يقول إنه جاء لتهنئتي بعيد ميلادي الخامس والعشرين! إنه يعرف كل شيء عني.

خيّم الصمت على أمي لبرهة.  

- لا أستبعد أن يكون هذا الغريب أخاك من أبيك!

بدت الفكرة في غاية السخف. أمي التي قضت مع أبي أكثر من 30 سنة، قد تشك في زواجه بأخرى طوال هذه السنوات، وقد أنجب منها ولداً أيضاً!

- مستحيل أن يفعل أبي ذلك، اتركي عنك هذه الأفكار. يبدو أنه شخص جاء ليمازحني بطريقة غير اعتيادية. لكن لماذا جاء في هذا اليوم بالذات وفي هذا الوقت بالتحديد؟

كانت أختي حنان بذكائها المتقد المميز بين أفراد العائلة، هي الأقرب في حكمها على الغريب. قالت بكل هدوء:

- يبدو أنه شخص مجنون. ألم تقل بأنه دائم الابتسامة منذ أن دخل إلى منزلنا؟ هذا هو تفسيري المنطقي لتصرفه الغريب.

بدا لي أن تفسيرها هو الأكثر منطقية. في وضع غادر فيه المنطق مبكراً في رحلة غامضة. المواجهة المباشرة هي التي ستحسم هذا الجدال المصطنع فيما بيننا.

عدت إلى المجلس. كان هاني ابن أختي يحادث هذا الغريب. يبدو أنه فتح معه موضوعاً فهو يجيد اختلاق القصص والحوارات مع الغرباء. لعله اكتسب هذا مني فإن جيناتنا متقاربة إلى حد التشابه. من شابه خاله فما ظلم!

- خالي مروان، إن صديقك شخص لطيف جداً، يبدو أننا سنصبح أصدقاء!

هذا الولد هاني يزيد من جنوني بتصرفاته الغريبة مثله. طفل أكبر من عمره بكثير. أكاد أجزم بأنه أخبر هذا الغريب بقصة حياة العائلة كلها.

- إذن نحن أصدقاء منذ سنوات، لم أتعرف عليك حتى الآن.

- مروان، وعمري خمسة وعشرون عاماً.

- هل هي كذبة إبريل؟ تذكرت أننا في شهر نوفمبر، إذن يبدو أنه مستعد لسيل من الأسئلة التي لن أدعها تخنقني أكثر.

- أنا صديقك الفيسبوكي، ظهر لي حسابك منذ سنوات، وأنا أتابعك وعرفت هذه المعلومات عنك. كنت قريباً من

هنا، وأردت أن ألتقي معك مواجهة لأول مرة!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

raghd_agaafar أضف ردا

هذا الشخص غريب ولكنه أخذ مفهوم الصداقة على محمل الجد أكثر من قريبين ربما.

نحن نشتكي من جفاف العلاقات الرقمية، ولكن عندما يقرر شخص أن يكسر الحاجز ويأتي ليهنئ صديقه وجهًا لوجه في يوم ميلاده الـ ٢٥، نعتبره غريباً أو مجنوناً.

هذا التناقض فينا نحن.

الحقيقة أننا نريد متابعين و تفاعلًا، لكننا قد نرتعب من الحضور البشري الحقيقي.

طبعًا لا أقصد تجربتكم الشخصية تحديدًا، ولكن بشكل عام.

ahmadqatar660 أضف ردا

أشكر لك هذا الرد. هي مجرد قصة تخيلية لكنها تحكي واقعا لا نستطيع تجاوزه.

اللافت في النص هو فكرة أن هناك من يعرفنا دون أن نعرفه، ويشعر بالقرب منا أكثر مما نشعر نحن بأنفسنا. القصة تطرح سؤالًا مقلقًا: إلى أي مدى أصبح وجودنا الرقمي نسخة بديلة منّا، كافية ليكوّن الآخر عنها علاقة كاملة؟

نحن نترك آثارًا من حياتنا مبعثرة على الشاشات، يلتقطها الآخرون ويعيدون تركيب صورتنا كما يشاؤون بل يصبح لهم الحق أن يكون لهم مساحة حقيقية وفعلية فى حياتنا

بالفعل أختي تقوى، لم تعد للبشر أية خصوصية في ظل هذا الانفتاح غير المحدود على العوالم الافتراضية. إما أن ننغلق ونعيش بين الكتب فقط أو ننخرط شئنا أم أبينا في عالم لا يدرك حدوده.

أتفق مع قلقك ، لكني أختلف مع فكرة إما الانغلاق أو الانخراط الحياة أكثر مرونة من ذلك وليست أبيض وأسود ، والإنسان الواعي قادر على إيجاد توازن يحمي خصوصيته دون أن يعادي العصر ويواكبه ويستفيد من كل ما هو جديد .

لم نعد في خضم الانفتاح والانخراط في العوالم الافتراضية بمنأى عن الانسلاخ من خصوصيتنا ، لست بالسوداوي ومتفائل جدا وأعشق الصداقات و العلاقات المختلفة لكننا بدون خصوصية للأسف الا من يحاول النظر من بعيد والبقاء في حذر.

العالم بأكمله الآن مرعب من هذه الناحية للأسف يا أحمد، معلوماتنا جميعها صارت على المشاع للجميع، يمكن لأي شخص أن يعرف عنّا أكثر مما يعرفه آبائنا ... أبي كثيرا ما ينسى تاريخ مولدي وسنتي الدراسية ولا يعرف الصعوبات التي أواجهها يوميا، أما إن كان هناك شخص يتابع حالاتي على الواتساب أو منشوات الفيسبوك، فسيعرف عني ما يحدث يوميا ويشاهدني في صور أكثر مما يراها والدي ..

لا أعرف كيف نغير ذلك صراحةً، هذا هو وضع عالمنا اليوم

نعم أخي أحمد. أصبحنا نحن السلع في هذا العالم، نحن مكشوفون أمام العالم بأسره، لا نملك الخصوصية فكل معلوماتنا شئنا أم أبينا هي ملك لهذه العوالم.