في ذلك المساء، مررتُ بجوار المقهى الشعبي في قريتي الريفية، حيث كان التلفزيون يعرض صور المحررين من سجن صيدنايا. توقفتُ للحظة، تسللت قشعريرة باردة إلى جسدي، وغمرني غضب مكتوم. لم أتحمل رؤية المشهد أكثر، فأسرعتُ بخطواتي مبتعدًا، لكن عقلي ظلّ يدور حول سؤال واحد: ماذا لو كان السجّان هو السجين؟ هل كان سيتحمل ما يُنزل بغيره من عذاب؟

بعد مسافة قصيرة، وجدتُ نفسي عند ضفاف النيل. استنشقتُ الهواء العليل، محاولًا استعادة هدوئي. وقفتُ أراقب المياه تتهادى تحت ضوء المصابيح، وأغمضتُ عيني للحظة، لكن سرعان ما تلاشى سكوني حين اجتاحني مشهد مأساوي في خيالي: عم سلامة الأسيوطي يتلوّى من الألم، يصرخ متوجعًا من كريزة الكُلى التي أنهكته. كان يشرب من ماء النيل، ذاك الذي لوّثته مخلفات المصانع السامة. استيقظتُ من غفوتي مكفهر الوجه، متسائلًا: ماذا لو كان صاحب المصنع هو الذي ابتُلي بهذا المرض؟ هل كان سيرضى أن يقتل ماءُ نيله أبناءَ بلده؟

تابعتُ طريقي، محاولًا الهروب من أفكاري، حتى وجدتُ بائع الجرائد على الرصيف. توقفتُ، اشتريتُ جريدة الأهرام، ثم اتجهتُ إلى مطعم شعبي قريب. طلبتُ بخمسة جنيهات فولًا، وخمسة أخرى طعمية مع بطاطس. جلستُ، بدأتُ في تناول الطعام، لكن عيني وقعت على عنوان بارز في الجريدة التي لم أفتحها بعد: "وفاة رضيع بسبب نقص اللبن الصناعي."

تجمدتُ في مكاني، لم أعد أشعر بالجوع. قلّبتُ صفحات المقال، أعدتُ قراءة التفاصيل كأنني أبحث عن بصيص أمل بين السطور، لكن كل شيء كان واضحًا وقاسيًا. أعدتُ الجريدة إلى الطاولة، ونظرتُ أمامي بشرود: ماذا لو كان هذا الطفل ابنَ تاجر جشع احتكر اللبن ليبيعه بأضعاف سعره؟ هل كان سيرضى أن يرى صغيره يلفظ أنفاسه بين يديه، فقط لأنه أراد مضاعفة أرباحه؟

لم أجد شهية لإكمال طعامي، ولم أجد رغبة في الحديث. نهضتُ، دفعتُ الحساب، ثم خرجتُ أسير في الشوارع بصمت. كنتُ أعلم أن لا شيء سيتغير بمجرد تأملاتي، لكنني كنتُ أدرك يقينًا أن الظلم لا يؤلم إلا من يقع عليه... أو من يمتلك قلبًا يشعر!