بين الحياة والعيش
في الشرق الأوسط، كثيرًا ما لا يكفي أن تتفاعل مع الحياة؛ عليك أن تذوب فيها لتتمكن من العيش.
ليست هذه مبالغة، بل حقيقة يعرفها من حاول أن يعيش بسلام في هذه الأرض. أرضٌ لا يكفي فيها أن تكون موجودًا، بل يُطلب منك أن تكون مقاتلًا. لا يكفي أن تسير، بل أن تركض. لا يكفي أن تتنفس، بل أن تصرخ.
وهناك فرق بين الحياة والعيش، يعرفه من جرّبهما.
الحياة حركة، والعيش سلام. الحياة تُعطى لك، والعيش تطلبه. الحياة تضع أمامك حروبًا لا تناسب طبيعتك، ثم تنتظر منك أن تنتصر فيها، ولا تسألك إن كنت تريدها. تقول لك فقط: قاتل، أو اذهب.
كنت أريد أن أعيش، لا أن أقاتل. كنت أريد سلامًا في داخلي وصفاءً نفسيًا؛ أن أستيقظ في الصباح بلا معركة، وأن أنام في الليل بلا خوف، وأن يكون لي مكان صغير في هذا العالم لا يحاربني فيه أحد.
لكن الحياة، كما فُرضت عليّ، لم تُعجبها هذه الرغبة. أرادتني أن أكون مثلها: أن أتحرك وأصرخ وأحارب وأنتصر. وحين رفضت، لم تتركني في سلامي، بل صنعت لي حكايات لا تشبهني، لكنها نُسبت إليّ، ووضعتني في مواضع لا تشبهني، فصارت مواضعي. وقالت لي: هذه هي الحياة، فعِشها أو غادرها.
كنت طفلًا بريئًا بسيطًا، لا أعرف شيئًا عن الحروب، ولا عن الوجوه المتعبة، ولا عن الانتظار. ثم فجأة، بلا مقدمات، صرت رجلًا في الستين.
لم يخبرني أحد كيف حدث ذلك، ولا أن الوقت يسيل، ولا أن العمر يذوب. استيقظت يومًا فوجدتني في الستين، وما زلت أحمل قلب ذلك الطفل.
وفي هذا العمر، في مصر وفي الشرق الأوسط، يُنتظر منك ألا تستريح بعد. أن تجري وتصرخ وتحارب وتنتصر، وإلا تُرِكتَ وحدك.
أما أنا فلا أريد أن أنتصر. أريد أن أعيش.
فالوقت هو العمر. كل دقيقة تمر جزء منك لا يعود، وكل يوم تستيقظ فيه يأخذ معه يومًا آخر. والوقت لا ينتظر أحدًا، ولا يسأل إن كنت تريد السلام أو الحرب. يسيل ويذوب دون أن ندري، ثم نستيقظ فجأة فنجد أن العمر مضى، وأن ما بقي منه قليل، وأن الحياة ما زالت تطلب المزيد.
وربما لهذا أصبحت أعرف الفرق بين أن تمضي مع الحياة، وأن تعيش.
آهٍ منها الحياة، حين لا تترك لمن يريد السلام إلا أن يحاربه.
لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش