عطشان في بحر مالح

عطشان في بحر مالح

نحترق لنُنير، ونغرق لنكتب

لا أقوى على قول "آه"، والألمُ يكاد يُنهيني.

كل شيءٍ يسير عكس ما أريد. الدنيا أرتني الكثير، وما دمتُ حياً فستظل تُريني. أهرب منها إليها، من غدرها وقهرها تسقيني، فمَن منها يحميني؟

أردتُ أن أكون منارة، فإذا الموجُ يعلو ويكاد يُخفيني. غرقتُ في بحور الألم، ولم أجد شاطئاً يؤويني. عطشانٌ في بحرٍ مالح، مهما شربتُ لن يرويني.

مَن يُنير الطريق لا يُدرك أنه يحترق.

أنا كالشمعة: أضيء الزوايا المظلمة حولي، وأذوب في صمتٍ لا يُرى. أمرّ بأيامي، وكل شيءٍ فيها يُدميني، لا أجد صوتاً يقول: "لستَ وحدك".

هذه المفارقة التي تسحقني: كلما اقتربتُ من الارتواء، ازددتُ ظمأً.

كنتُ أظن الوعي نعمة، فإذا هو بركانٌ لا يهدأ، إنما للشقاء يهديني. مَن يرى كل شيء، يتألم من كل شيء. وددتُ لو لم أُدرك، لو لم أَعِ — فربما كان الجهل أرحم من هذا اليقين المُحرق.

لكنني، رغم الغرق، ما زلتُ أكتب. لأن الكتابة هي الشيء الوحيد الذي يُغنيني.

فإن قرأتَ هذه الكلمات، ووجدتَ فيها صدى لِما تحمله، فاعلم أنك لستَ وحدك في هذا البحر. نحن كثيرون، نحترق لنُنير، ونغرق لنكتب، وننتظر — كلٌّ منا — مَن يسمع صوته قبل أن يتلاشى.

أحمد عبدالله علي

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

من يتحمل مسؤولية الابحار فيرى البحر على طبيعته بكل مافيه وبكل فصوله ربما تحترق روحه مرة ويطفىء البحر نار احتراقها مرة أخرى و هذه سنة العطاء المفارقة المرة ان وسط الطعم المالح نجد من يواسينا ولكن طعمه لا يقل ملوحة عن ما عشناه ...اوهذا مانضنه وان نظرنا بنظرة امل فالبحر يحوي مالا تحويه الأرض وما فيها فسره ليس في الطعم بل بما يحمل من كنوز أعماقه لذا فالنجعل نظرتنا أوسع وأشمل وهو يقين الوعي الذي ندفع ضريبته احيانا... انما يحمل البحر من بكون له تنفس الأمل أما من يبحر لطمع برغبة فيحاكي قسوة ملحه وإلتطام أمواجه .....هكذا كانت قرائتي لموضوعك ،إنه يحاكي الكثير بين سطوره ....

...

أستاذتي الفاضلة Djawhar، قراءتك لم تكن قراءة لموضوعي، بل كانت إضاءة جديدة عليه.

أصبتِ حين قلتِ إن من يتحمّل مسؤولية الإبحار يرى البحر على طبيعته — فالمسؤولية هي التي تفرّق بين من يهرب من الملح، ومن يتصالح معه ليكتشف ما وراءه. وهذا بالضبط ما أردت أن أقوله في "عطشان في بحر مالح": أن العطش نفسه قد يكون بوابة، لا عقاباً فقط.

ولفتّني حكمتك في أن المواساة قد تأتي بنفس ملوحة الألم الذي نهرب منه — فالمواسي أحياناً لا يخفف الملح، بل يشاركنا حمله. وهذه مفارقة لم أفكّر فيها بهذا الوضوح قبل قراءتك.

أما قولك إن سرّ البحر ليس في طعمه بل فيما يحمل من كنوز أعماقه، فهذا هو المفتاح الذي كنت أبحث عنه دون أن أسمّيه: أن الغرق نفسه قد يكون طريقاً إلى عمق لا يُرى من على الشاطئ.

شكراً لك على هذه القراءة التي أعادت للنص معنى لم أكن أراه بهذا الاتساع.