بعد السم، تشتعل نار الكراهية

بعد السم، تشتعل نار الكراهية

الكاتب: مصطفى أغون (ترجمة د. منصور بن عوف)

السبت 29 أغسطس 2026 lequotidien-oran

لم تكن الجزائر قد أتيحت لها الفرصة بعد لتضميد جراحها. كانت عائلات ضحايا الحرائق الأخيرة قد بدأت للتو في استعادة أنفاسها.

وكانت عمليات التعويض قد بدأت، بل وتم تسريعها. كان لا بد من مساعدة هذه العائلات على إعادة بناء ما انتزعته منها النيران. لكن وراء كل تعويض، هناك ألم. منزل مدمر. محصول ضائع. قطيع مفقود. أرض مجروحة. أحيانًا، تنقلب حياة بأكملها رأسًا على عقب في غضون ساعات قليلة.

كنا نعتقد أننا سنتمكن من طي هذه الصفحة المؤلمة. ها نحن نواجه بالفعل مأساة جديدة. يعود الحريق. يعود بطريقة لا يمكن أن تترك أحداً غير مبالٍ. تم الإبلاغ عن أكثر من مائة بؤرة حريق في غاباتنا. وظهورها بشكل شبه متزامن يثير التساؤلات. ويثير التساؤلات بشكل أكبر لأن خدمات الأرصاد الجوية كانت قد أعلنت منذ عدة أيام عن هبوب رياح عاتية في هذا اليوم. لا أحد ينكر دور المناخ. فالحرارة تجفف النباتات. والرياح تذكي النيران. وتدفعها أحيانًا بعنف مرعب. لكن عندما تتكاثر بؤر الحرائق في الوقت نفسه تقريبًا، فإن الشك يصبح بطبيعة الحال أكثر ثقلًا.

سيتعين علينا انتظار نتائج التحقيقات. سيتعين علينا إثبات الحقائق. سيتعين علينا تحديد الأسباب والمسؤوليات. هذا هو مطلب الحقيقة. لا يمكننا توجيه الاتهامات دون أدلة. لكن لا يمكننا أيضًا أن نلجأ إلى براءة مريحة في مواجهة ظروف مقلقة إلى هذا الحد. إذا تم تأكيد الطابع الإجرامي لهذه الحرائق، فسنكون أمام حقيقة مروعة. ولن يكون العامل البشري مجرد فرضية بعد ذلك. وسيصبح جوهر المأساة. وهنا تكتسب مقالتنا السابقة التي نُشرت في 26 أغسطس بعنوان «https://lequotidien-oran.dz... comprimes-une-seule-cible-la-société» أهمية خاصة اليوم. كنا نتحدث فيها عن انتشار المخدرات في بلدنا. كنا نتحدث عن هذا الشكل الآخر من العنف الذي يتسلل إلى أحيائنا وأسرنا وشبابنا. عنف صامت. عنف لا يصدر ضجيجًا دائمًا. لكنه يدمر ببطء. إنه يهاجم الأجساد. ويصيب العقول. ويحطم الأسر. ويسلب المصائر.

كنا نفكر آنذاك في بلد يمكن الوصول إليه دون إطلاق رصاصة واحدة. لم نكن نتصور أن صورة أخرى، لا تقل عن ذلك قسوة، ستفرض نفسها علينا في غضون أيام قليلة. بعد السم، يشتعل نار الكراهية. لقد جاء عنوان هذه المقالة من تلقاء نفسه. فالسم والنار، بطبيعة الحال، ليسا من نفس الطبيعة. لكن عندما يصبحان أدوات للدمار، فإنهما يسببان نفس الألم. في إحدى الحالتين، يُهاجم المجتمع بصمت. وفي الحالة الأخرى، يُضرب وسط النيران. وفي كلتا الحالتين، هناك أرواح مهددة. ولعل هذه الاستمرارية هي ما يجب أن يثير قلقنا.

يمكن أن يتعرض أي مجتمع للضرب بطرق عديدة. يمكن أن تتعرض شوارعه للضعف. في أسره. في شبابه. كما يمكن أن تتعرض أرضه للضرب. واليوم، هذه الأرض بالذات هي التي تسبب لنا الألم. إن مشاهدة غابة جزائرية تحترق ليست أبدًا مشهدًا عاديًا. فالغابة ليست مجرد مجموعة من الأشجار. إنها جزء من ذاكرتنا. إنها جزء من وجه بلدنا. فهي تؤوي الحيوانات. وتحمي التربة. وتحتفظ بالمياه. وترافق حياة من يسكنون في جوارها. كما أنها تحفظ ذكريات من نشأوا فيها.

ثم يأتي الحريق. في غضون ساعات قليلة، يمكن أن يختفي كل شيء. يستغرق نمو الشجرة عقوداً. ويستغرق استعادة الغابة لتوازنها وقتاً أطول من ذلك. أما الحريق، فلا يستغرق سوى بضع ساعات. إنه يتقدم. إنه يلتهم. إنه يحول الأخضر إلى أسود. إنه يحول الحياة إلى رماد. وفي خضم هذا الدمار، لا يميز أحداً. لا يسأل من يحكم. لا يسأل عمن ينتقد. لا يميز بين الغني والفقير. لا يفرق بين الطفل والمسن. ولا يفصل حتى بين الحيوانات والنباتات. كل شيء يصبح وقوداً. ولعل هذا هو ما يجعل الكراهية الحارقة مرعبة إلى هذا الحد. فهي في النهاية لا تميز بين شيء وآخر. بل إنها تضرب حتى أولئك الذين تدعي الدفاع عنهم.

إلحاق الأذى بالجزائر بالنار، إذا ثبت ارتكاب هذا العمل الإجرامي، يعني السعي إلى إصابتها في صميمها. يعني السعي إلى استهداف جبالها. وقراها. وريفها. وأراضيها. يعني السعي إلى تشويه وجهها. وخلف هذا الوجه، ما يُستهدف هو ذاكرتنا. وهناك أيضًا الخوف. ذلك الخوف الذي يعاود من سبق لهم أن عانوا من الحرائق. الخوف من رؤية الدخان يتصاعد خلف الجبل. الخوف من تلقي مكالمة هاتفية. الخوف من معرفة أن أحد الأقارب في خطر. أن قرية ما مهددة. أن قطيعًا محاصَر. أن عائلة ما مضطرة للفرار. أولئك الذين عاشوا هذه اللحظات يعرفون معنى العجز. يعرفون ما يشعر به المرء عندما يرى النيران تتقدم دون أن يتمكن من إيقافها. يعرفون معنى أن يشاهد المرء في غضون ساعات قليلة ما بناه على مدى سنوات يختفي.

ثم يحل الصمت. ذلك الصمت الرهيب الذي يعقب الحريق. الأشجار سوداء. والأرض محروقة. لم يعد المشهد كما كان. وتبقى رائحة الدخان لفترة طويلة. على الملابس. وفي المنازل. لكنها تبقى قبل كل شيء في الذاكرة. والأمر الأكثر إيلاماً هو أن بعض العائلات لم تكن قد انتهت بعد من التعافي من الحرائق السابقة. كانت قد بدأت في تلقي المساعدات. وكانت تحاول إعادة البناء. وكانت تستبدل ما يمكن استبداله. وكانت تحاول أن تؤمن بأن الحياة ستعود إلى طبيعتها. وها هي محنة جديدة تحلّ. وكأن الرماد لم يبرد بعد. وكأن الألم لم يتح له الوقت بعد ليصبح ذكرى. وإذا تم تأكيد وجود نية إجرامية، فسيتعين عندئذٍ فهم المدى الكامل لهذا الفعل. إشعال النار عمدًا في مثل هذه الظروف يعني إدراك أن النار قد تقتل. يعني إدراك أنها قد تصل إلى منزل. قرية. طفل. مسن. إنه إدراك أن الحيوانات ستموت. وأن المزارعين قد يفقدون عملهم. وأن العائلات قد تفقد ثمرة حياة بأكملها. لذا، فإن ما يتم تدميره ليس مجرد غابة. إنه جزء من حياة بلد بأكمله.

التاريخ يعرف سياسة الأرض المحروقة. وهو يعرف ذلك المنطق الرهيب الذي يتمثل في تدمير ما لا يمكن غزوه. لكن لا يمكن لأي غضب سياسي أن يبرر مثل هذه الوحشية. ولا أي خلاف. ولا أي كراهية. يمكن للمرء أن يعارض حكومة. يمكن محاربة سياسة ما. يمكن التنديد بظلم ما. بل يمكن حتى أن يشعر المرء بغضب عميق تجاه بلده. لكن عندما يؤدي هذا الغضب إلى حرق غابة، فإنه لم يعد يستهدف سلطة ما. بل يستهدف شعبًا. فالغابة لا تصوت. والشجرة لا تنتمي إلى حزب. والطفل الذي يستنشق الدخان لم يطلب شيئًا. والحيوان الذي يهرب من النيران لا يعرف شيئًا عن خلافات البشر.

إنه يسعى ببساطة إلى العيش. ولهذا السبب، فإن العنف المتعمد ضد الطبيعة يصبح دائمًا عنفًا ضد الإنسان. أما أولئك الذين يرون أن الحديث عن استهداف بلدنا أمر مبالغ فيه، فيجب تذكيرهم بالتاريخ. فالتاريخ يفرض علينا الحذر. لكنه يفرض علينا أيضًا اليقظة. علينا أن نحذر من الشائعات. علينا أن نحذر من الاتهامات التي لا تستند إلى أدلة. لكن علينا أيضًا أن نحذر من الإنكار. لا يجب أن نعتبر مستحيلًا ما يجب دراسته بجدية.

يجب البحث عن الحقيقة. ويجب إثباتها بالحقائق. وإذا كانت هناك أيادي إجرامية وراء هذه الحرائق، فيجب الكشف عنها. وإذا كانت هناك شبكات إجرامية، فيجب تفكيكها. وإذا تم تحديد هوية المخططين، فيجب أن يحاسبوا على أفعالهم أمام العدالة. وإذا أثبتت التحقيقات حقيقة أخرى، فيجب الإفصاح عن هذه الحقيقة أيضًا. هكذا نحمي البلد. بالحقيقة. من خلال اليقظة. من خلال العدالة. الجزائر لا تحتاج إلى انقسامات جديدة. لقد دفعت ثمناً باهظاً بالفعل. وهي لا تحتاج إلى أن يتبادل أبناؤها الاتهامات فيما بينهم. إنها بحاجة إلى الوعي والهدوء. إنها بحاجة إلى رباطة الجأش. إنها بحاجة إلى أن يدرك كل فرد ما تمثله هذه الأرض. الجزائر ليست مجرد قطعة أرض. إنها ذاكرة. إنها طفولة. إنها الأرض التي يرقد فيها موتانا. إنها القرية التي غادرناها. الجبل الذي نتعرف عليه من بعيد. الطريق الذي سلكناه ألف مرة. إنها رائحة التربة بعد المطر. إنها الشجرة التي استرحنا تحتها. إنها ذلك المشهد الذي كنا نعتقد أنه أبدي.

لهذا السبب يؤلمنا الحريق إلى هذا الحد. فهو لا يقتصر على تدمير الأشجار فحسب، بل يدمر الذكريات أيضًا. ويمحو المناظر الطبيعية. ويؤثر على شعورنا بالانتماء. عندما تحترق الغابة، فإن جزءًا من وجه الجزائر يختفي. وعندما تهرب العائلات هربًا من النيران، فإن المجتمع بأسره يشعر بهذا الحريق. قد تكون بيننا خلافات. قد يغضبنا شيء ما. وقد نلوم بعضنا البعض على أمور كثيرة. لكن أمام أرض تحترق، يجب أن يبقى شيء ما يجمعنا. هذه الأرض. إنها ملك لمن يعيشون اليوم. لكنها ملك أيضًا لمن سيأتون غدًا. لذا فإن من يدمر غابة لا يسرق شيئًا من الحاضر فحسب. بل يسرق شيئًا من المستقبل. إنه يحرم أطفالنا من منظر طبيعي. إنه يدمر ملاذًا. إنه يقضي على حياة حيوانية. إنه يمحو جزءًا من جمال هذا البلد. ولإعادة بناء ما دُمر، سيستغرق الأمر سنوات. وربما عقودًا. لقد عرفت الجزائر بالفعل أولئك الذين أرادوا إخضاعها. عن طريق الاستعمار، والإرهاب، والانقسام، والخوف. لقد دفنت موتاها. لقد بكت. لقد جفت دموعها.

ثم هي تواصل مسيرتها. واليوم أيضًا، سيتعين عليها مواجهة هذه المحنة الجديدة. بحزم الدولة. ويقظة المواطنين. وقوة العدالة. ولكن أيضًا بكرامة شعب يعرف معنى التغلب على المحن. بعد السم، تشتعل نيران الكراهية. إذا أراد البعض النيل من الجزائر عبر تسميم شبابها أو حرق غاباتها، فعليهم أن يعلموا أنهم يهاجمون ما هو أكثر بكثير من مجرد حكومة أو مؤسسة. إنهم يهاجمون مجتمعاً، وذاكرة، وأرضاً، وشعباً.

لقد عرفت هذه الأرض النيران قبلنا. عرفت الدماء. عرفت الدموع. وما زالت تحمل ندوب تاريخها. لكنها لا تزال صامدة. وحتى عندما تختفي النيران، وحتى عندما يتبدد الدخان، وحتى عندما تبرد الرماد، سيبقى شيء ما. الذاكرة، والألم، ولكن أيضًا تلك الإرادة العميقة في العيش والاستمرار. فتحت الرماد، تظل الأرض الجزائرية حية. وطالما بقيت حية، ستواصل الجزائر مسيرتها.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش