12

الموروث الفكري والاحساس بالذنب

في أحد الفصول الدراسية عندما كنت في المرحلة المتوسطة، أحد المعلمين قال لطلابه الذين كنت من ضمنهم: لن تقوم لنا قائمة الا بحدوث معجزة. وأكمل أنه في كل جيل يسوء الحال عن الجيل الذي قبله. أستدل المعلم بحديث الرسول صلى الله عليه وسلّم قائلاً خير القرون قرني ثم الذي يليه ثم الذي يليه. أيضاً استدل في ذلك الحين في حال الناس الديني، والاجتماعي والاقتصادي. دلالات معلمنا واستشهاداته كانت قوية بالنسبة لعقولنا في ذلك الحين. كادت ملامح الأمل كالضوء الخافت الذي قطع الضباب الاتصال بينه وبين أعيننا.

يأتي بفكرة جديدة في كل حصة دراسية، تشعرنا بأن حجم المسؤولية على أكتافنا ثقيل، ونسبة النجاح في تحمّل المسؤولية صفر. فجيلنا الذي نحسبه واعداً، كما لو ظهرت حقيقته أنه أسواء من جيل معلمينا وجيل آباءنا. كيف لا وقد حُمّلت أكتافنا هموم الأمة ونعرف تماماً قبل أن نتحمل تلك المسؤولية أننا سوف نفشل، ونعرف أننا نحن الجيل الأسواء على الإطلاق ولن نرجوا خيراً في الجيل الآخر الذي يلينا ولا الأجيال التي تلينا.

ومما كان يزيد الأمر سوءاً، ليس المعلم وحده من كان يحمل لي ولغيري ذلك الذنب وتلك المسؤولية وسوء التقدير. فكانت تردد في مجالس الكبار مساوئ الجيل الحديث وعدم اكتراثة للمسؤولية والدين والمجتمع. كان التنمّر الجيلي جلياً عندما يُعَّمْ جيلنا بالمساوئ ونادراً ماتذكر الميّزات ولكن ليست على مستوى الجيل بل على المستوى الفردي.

حَمِلنا مسؤلية الأمّة فُرادا، ونتسائل لماذا في الدول الأخرى شبابٌ مثلنا، ولديهم إنجازات عظيمة تخدم أقتصاد دولهم ومجتمعاتهم؟ هل لأن سلّم الأجيال لديهم يختلف عنا؟ هل لأننا بدأنا قبلهم لنصل الى السوء قبلهم؟ فيجابونا الموروث الفكري ليقول! الدنيا ليست لنا، نحن نتعذّب باكراً لنرى الجنة لاحقاً ولكنهم العكس.

عَلِمت مما قرأت وخبرت مما جربت، أن الشعور بالذنب يولّد الأحباط. وشعوراً دائماً بالذنب يعني شعوراً دائماً بالاحباط. وعندما يكون الانسان محبطاً، فمن الطبيعي أن يخفت نور نجاحاته وإنجازاته. صحيحاً أن النجاح أمراً نسبياً فما أعتقده نجاحاً قد لايكون كذلك بالنسبة لشخصاً اخر. ولكني تابعت سيرة الناجحين بنظري ثم أني نادراً ماوجدتهم في مواضع الاحساس بالذنب والاحباط. وأدركت الآن أني لن أرث عقلي ولن استنسخه. سوف أفكر، وأقرر، وأحل المشاكل التي تعنيني فحسب. فخير بدايتاً للمرء بنفسه.

لازالوا بعض أصدقائي يرثون نفس الفكر، ويعلمونه أبنائهم، ويريد بعضهم أن يقنعني بأني مذنب، في حال منحطه ويجب علي أن أحجب وجهي من العار. ويبالغ بعضهم في أن العار يشمل الكل ونحن أمتةً ضحكت عليها الأمم. ونحن ضعفاء ولن نكون اقوياء الا بمعجزة. حتى لا يُفسّر كلامي تفسيراً خاطئاً، انا لست ضد هذا التفكير! لكن لكل شخصاً حق أن يختار ما أن يرث فكره، أو يفكّر ثم يصل بفكره الى نفس ماوصل اليه الموروث الفكري، أو يفكر ويستقل بنفسة. وأنا قررت بأني لست مسؤولاً عن شاب من جيلي يضرب أمه أو يحرق بلده أنا مستقلاً بإحساني وبذنبي، أنا مستقلاً بفكري.

قال تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير). فاطر:18

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

10

قال لي أحد الكبار : إن جيلكم من أسوء الأجيال.. عندما كنّا في أعماركم كنّا في قمة الأخلاق والشرف ولم نصل الى درجة العري التي وصلتم اليها.. قلت له : هذه البنات العاريات التي أراها في الشارع خرجت من دياركم... لم تكن نساء أجدادكم بهذا العري .. أنتم الجيل الذي تسبب في افساد هذا الجيل... سكت ولم يضف لي كلمة (حقيقة)

كلام سليم والكل يتحمل المسؤولية لا ان يتم القاء اللوم من جيل على جيل. لكن هذا لا يعني ان الجيل الحالي غير مذنب لان الجيل السابق لم يحسن التصرف او التربية بل الجيل الحالي ايضا مذنبين (وهنا لا اعمم فهناك الكثير من هذا الجيل من الرائعين كالذين نراهم في حسوب) لقلة اخلاقهم مثلا. والا فكل ما فعلناه هو تحويل اللوم من الجيل الحالي الى الجيل السابق متناسين ان الجميع هم سبب في المشكلة

كلامك صواب لكن أريد أن ألقي عليهم المسؤولية .. لأنهم هم السبب الأول.. أريد أن ألقي عليهم هذه المسؤولية لأنهم يبرؤون دائما أنفسهم.. مع أني أعلم أن هذه المسؤولية مشتركة لكن دائما اخفي هذا الشعور عندما اجادلهم.. لا أريد أن أفتح لهم بصيص أمل :)

اذا برؤوا انفسهم فيستحقون ذلك :)

لعبة البراءة لا تمشي في بيئتي ...

انت كذلك لست بريئا

بالفعل أنا اعترف بهذا ... و كما قال يونس "نحن بشر و الأسوء أننا دوما مخطؤون (لا أعرف ان كانت كلمة مخطؤون تكتب هكذا) لدي بعض المشاكل في اللّغة.

عمر النجار أضف ردا

ما هذا يا حكيم!

لا تقلق هذا سلوك بشري طبيعي منذ القدم ... الدليل أنه حتى أرسطو كان يعاتب جيل أفلاطون !!

أحسنت لهذا اسميته الموروث الفكري.

عمر النجار أضف ردا

اولا: نحن ضعفاء حاليا ولا ينكر هذا عاقل وخصوصا في الجانب العسكري فيكفي من دول الغرب ان تقطع اسلحتها عنا حتى نسقط من ذواتنا.

ثانيا: انه لمن الجهل بالحال ان نقول بان الامة في احوال جيدة الان بل نحن في مستويات سيئة عسكريا في بعض الدول واقتصاديا في بعض الدول واجتماعيا في بعض الدول (وانا اتكلم هنا عن الغالبية) او جميعها في بعض الدول! ناهيك عن كم المسلمين الذين يقتلون بدم بارد (هناك استثنائات طبعا في بعض الدول التي تعتني بمواطنيها لكن حتى هذه الدول لديها مشاكل وانتقادات)

ثالثا:قبل البدء بحل المشكلة عليك اولا ان تعترف بالمشكلة لا ان تتجاهلها وتقول ليست هناك مشكلة اصلا.وانه لمن الفشل عدم الاعتراف بالحقيقة. فاذا لم تنظر للقضية الفلسطينية مثلا على انها احد علامات فشلنا الحالي فكيف سنحل القضية اصلا؟ هذا الامر يشبه الانسان الكسول في الدراسة والذي لا يقبل بالاعتراف بانه كسول ويجب عليه الاجتهاد فرق شاسع بين هذا وبين من يعترف بانه كسول ويحاول من اجل التغيير لكنه ما زال كسولا فشخص مثل هذا يستحق التصفيق له.

رابعا: من قال لك بانك انت بالذات في حالة منحطة وعليك تغطية وجهك من العار؟ انت لست السبب في كل ما يحدث الان فلن احملك ذنب غيرك لكن انت وانا وغيرنا نصبح مشاركين فيما يحصل الان اذا لم نعمل من اجل غد افضل من كل النواحي اما وانت تعمل من اجل ذلك فلا احملك شيئا.

خامسا: لا انتظر حصول المعجزات لكي تخلصني من انحطاطنا الحالي بل ساعمل من اجل المستقبل الذي احلم به وبكل قوة وبكل ايجابية بدون اي شعور بالذنب لاني لست السبب فيما يحصل حاليا لكني اشعر بالذنب ان لم اعمل من اجل تغيير ما يحصل وكل ما يحصل ما هو الا دافع يحفزني لبذل مزيد من الجهد.

سادسا: انت لا تتحمل ذنب هوان الامة حاليا ولكنك ستكون مسؤولا واحد اسباب استمرار هوانها اذا لم تعمل وكما قلت لك اما وانت تعمل فهذا هو المطلوب.

قضية من واقع ما نعيشه فعلياً

  • قال تعالى: (يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)

ومن آته الله الحكمة ما ينطق بأقوال كهذه لعلمه أن لبنه بناء أي مجتمع هم النشأ مع عدم تجاهل البقية ومن واجبه إثارة دوافع التغيير والبناء لا أعلم هل هو حب الخنوع في محاولة لتبرير الوضع! محاولة إلقاء الضوء على الحال العام ليتم تناسي/تبرير الحال الفردي هو ما يسوق لهذا الفكر، فمقولة "إبدأ بنفسك" هي مُفتاح الحل فالمجتمع ما هو إلا نفسك ونفسي فمحاول تطوير وبناء نفسك هي في حد ذاتها تطوير وبناء في المُجتمع.

وقال تعالى: ( إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ) فإبدأ بنفسك ودع عنك الناس.

تكمن المشكله في ان الاجيال السابقه كانت تتكاثر بسرعه اكثر مما يجب

بحيث ان الأب المرهق ماديا و الذي يعمل ساعات و ساعات طويلا خارح منزله و الام المرهقه جسديا و نفسيا من كثره الأبناء هم أشخاص غير قادرين على تربيه الأبناء تربيه قويمه

و كما ورد في الموضوع كل جيل كان يعيش في بحبوحه اكثر من الجيل الذي يليه و في انضباظ و رقي و اشباع للحاجات اكثر ايضا مما سهل عليهم أن يصبحوا أسخاصا على قدر أكبر من السوية في الاخلاق و الافعال