حين تسبق الحكايةُ أصحابها

في كثير من العلاقات، لا تكون المشكلة في الشخص الذي أمامنا بقدر ما تكون في الشخص الذي اخترعناه داخل رؤوسنا .

نحن نعيش في الواقع بنسبة قليلة، بينما نمنح الخيال مساحة أكبر بكثير. قد تكون العلاقة في بدايتها مجرد حديث، إعجاب، أو تعارف بسيط، لكن العقل يبدأ سريعًا في كتابة النهاية: زواج، بيت، سفر، أطفال، سيارة، صور مشتركة، وحياة تشبه مشهدًا من مسلسل رومانسي. وفجأة، لا تعود المرأة تتعرف إلى رجل؛ بل تتعرف إلى دورٍ رسمته له مسبقًا في قصتها.وهنا تبدأ المفارقة.

هي لا تتعرف إليه لتكتشف : هل يناسبني ؟ هل أخلاقه تتوافق معي؟ هل أستطيع أن أعيش معه ؟

بل تتعرف إليه وهي تحمل إجابة جاهزة : هذا سيكون شريكي .

فتبدأ في تفسير كل تصرف بما يخدم السيناريو. رسالة لطيفة تصبح دليل حب، اهتمام بسيط يصبح وعدًا بالمستقبل، تشابه في الاهتمامات يتحول إلى نحن خُلقنا لبعضنا، وحتى العيوب التي تظهر أمامها قد تجد لها تبريرًا لأنها أصبحت متعلقة بالنتيجة أكثر من تعلقها بالحقيقة.

ولنأخذ مثالًا من الواقع : امرأة تتعرف إلى رجل يعجبها. قبل أن تعرف كيف يتعامل وقت الغضب، كيف يدير المال، كيف يحترم الاختلاف، كيف يرى الزواج والمسؤولية، تكون قد تخيلت منزلها معه، وربما اختارت أسماء أطفال لم يولدوا أصلًا. فإذا اكتشفت بعد أشهر أنه شخص عصبي، أناني، أو غير مسؤول، لا تنهار لأنها فقدت رجلًا تعرفه فقط؛ بل لأنها فقدت حياة كاملة عاشتها في مخيلتها قبل أن تبدأ ، وليس المرأة فقط ما يحدث معها هذا بل أيضًا للرجل.

دعوني أعطيكم مثال :

قد يرى امرأة جميلة وهادئة، فينسج حولها صورة الزوجة المثالية، ثم يكتشف بعد الاقتراب أن هدوءها ليس بالضرورة نضجًا، وأن جمالها لا يخبره شيئًا عن قدرتها على بناء حياة مشتركة لقد أحب الصورة قبل أن يعرف الإنسان.

إذن، هل المطلوب أن ندخل العلاقات بلا مشاعر ؟

طبعا لا ، المطلوب أن ندخلها بمشاعر أقل استعجالًا وأعين أكثر يقظة .

التعارف ليس مرحلة لإثبات أن الشخص الذي أعجبنا به هو الشخص المناسب، بل فرصة لاكتشاف ما إذا كان مناسبًا أصلًا. لا تدخل العلاقة وأنت تسأل : متى سنتزوج قبل أن تسأل : من هذا الإنسان عندما تختلف معه ؟

كلما خفّضت سقف التوقعات، أعطيت الواقع فرصة للظهور . وكلما توقفت عن كتابة السيناريو، بدأت ترى الممثل الحقيقي .

فالعلاقة الناضجة لا تحتاج إلى قصة مثالية؛ تحتاج إلى شخصين قادرين على رؤية بعضهما دون فلتر الخيال.

ربما أجمل ما يمكن أن تقوله في بداية أي علاقة ليس :

أتمنى أن يكون هو الشخص الذي سأكمل معه حياتي .

بل : سأترك الأيام تخبرني من يكون، ثم أقرر إن كنت أريد أن أكمل معه .

عندها فقط ، لا تعود تبحث عن نهاية للقصة... بل تبدأ فعلًا في معرفة صاحبها .

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش