عند مفترقِ غُرفِ الحنين..أقفُ.

لا أدري أيِّ باب سأفتحُ.

للفقدِ هبَّةٌ وللذاكرةِ هُبوب..

أدرتُ المقبض،فلم يُفتح بابٌ واحد،بل انسكبَ العمرُ دفعةً واحدةً.

رأيتُ طفلةً شغوفةً بالعلمِ والتعلُّمِ، تحبُّ المدرسة، وترى في عيون معلمتها "فايزة الخطيب" مستقبلًا كانت تظنُّ أنه سيكبرُ معها.فتعودُ إلى البيتِ حاملةً في قلبها بياض الطباشير،وحبرًا لا يجفّ، وشِعرًا يتأتَّى بلا استدعاء..إن ضاقَ الأفقُ عليها ساعةً وسَّعـتهُ بقافية..وإِذ بالقدرِ يدخلُ الفصلَ دون أن يطرقَ الباب، يُنزلُ الكتابَ من بين يديها، ويضعُ مكانه طفلَينِ يبكيان. فصارت لهما أمًّا صغيرة بقلبِ أختٍ كبيرة. 

ومنذ ذلك اليوم...لم تعد طفلةً.

———

هممتُ بالخروج،فرأيتُها من أقصى النافذة، تحملُ فوق رأسِها دلوَ الماءِ من البئرِ،ثم تمشي به نحو بيتها لمُعاونةِ أُمها "شيخة عبدالعزيز البركات" وعند سفوحِ الجبالِ على الحدودِ السوريَّة تعودُ وثوبها معطَّرٌ برائحةِ العَكُّوبِ والتُّراب، تسبقُ النساءَ إلى الحصَّادين،لا بالماءِ وحده بل بالأهازيجِ التي ترفعُ التعبَ عن أكتافِهم قبل أن يرفعَوا السنابل من الأرض.

وفي بيت والدها "الشيخ أحمد صمادي" كانت تحتفي بالضيوفِ بكلماتٍ تقتلعُ الوحشةَ من عتبةِ الباب، فيدخلُ الغريبُ وكأنَّه من أهلِ البيت.

نهضتُ كي أغادرَ رُدهة الذِّكرى،فبقِيَت ضحكتها تتمشَّى بالممر.

———

فتحتُ الباب الذي يليه،وإذ برائحةِ سفرٍ قديمٍ،حقائبٌ على الحدودِ السعوديَّةِ الأردنيَّةِ..وقلبٌ معلَّقٌ على الصاجِ يحترقُ شوقًا لأهلهِ..ثم دَوَّى بوقٌ بعيدٌ يعلنُ عن عودتها للوطنِ جرَّاء "حرب الخليج".

وما إن عادت و هدأَ المرْكب،حتى حمِلت الحجرَ والحصى،و شيَّدتِ به سورًا بعد سور، إلى أن نهضَ البيتُ من كِفافِ يديها لا من الإسمنت.ثم غرست حولَه وردةً و نعناعًا و ياسمينة.

———

وهنا.. علِقت بطرفِ ثوبي زهرةٌ عتيقة، فابتسمتُ لها.. ثم دخلتُ الغرفة.أصصٌ قديمة، وزهورٌ سامرتْها في بواكيرِ الصباحِ وحين غفواتِ المساءِ، ما برِحت تتلفتُ، كأنها عطشى إلى وجهٍ كان يُسقيها قبل الماء..

وكرسيٌّ هزيلٌ في زاويةِ البلكون،كانت تتَّخذه نافذةً لقلبها، تُراقبُ منه الحيَّ، وتلوِّحُ بعينيها أكثرَ مما تلوِّحُ بيديها، ويكفيها أن يمرَّ الهواءُ على وجهها لتقول: إنَّ الدنيا ما زالت بخير.

ثم...ضاقَ صدرُها، فضاقَ البيت.ثم ضاقَت الشرفة؛ حتى صار أقصى أمنياتها أن ترى الشارع لا أن تمشي فيه. 

مددتُ يدي لأغلقَ الباب..فبكى الكرسي وتبلَّل الغياب.

———

و عند العتبةِ.. تعثرتُ بشريط دواء.

فتوقفتُ..وأدركتُ أنَّ الغرفةَ التالية لن تشبه ما قبلها.

عمرٌ كاملٌ مطوِيّ داخل علب بيضاء،موسومة بخطِّ يدكِ،خشية أن تخونكِ الذاكرة، فتكتبين على كل دواءٍ اسمه، ووقته، وحكايته.و كنتُ أجلسُ إلى جواركِ،أشرحُ لكِ ما أحفظه، فتستمعين إليَّ كما لو أنني أُلقي عليكِ خبرًا سعيدًا، لا شرحًا عن دواء.

ويا لطول جهلي يا جدتي: لم أكن أفهم أنكِ لم تكوني تسألين عن الحبوب..بل كنتِ تبحثين عن سببٍ آخر...لأبقى.

———

في الغرفة المجاورة، لم أرَ المرض! بل رأيتُ شمسًا حزينةً تطرقُ نافذتكِ كل صباح على أملٍ أن تردي عليها التحية..فتنسحبُ آخر النهار مع رضَّةٍ في الأملِ.

رأيتُ شراشفَ بيضاء، وأجهزةَ تنفُّس، وصفيرًا رتيبًا يتولّى العدَّ بدلَ القلب..و يدين جزَّتهما الإبر،

حتى بدا الجلد خريطةً من الثقوب.

وكنتِ كلما دخل أحدٌ إليكِ تشدِّين معصمَه،

وتقولين بصوتٍ كَدَّهُ الانتظار:

"أخذوني عالبيت"

———

كم عِشنا على شذرات الأمل؛ استقرار الأُكسجين انتصار، وانخفاضُه مأزق مريع، ومع كلِّ يومٍ كنَّا نفاوضُ القدرَ على ساعاتٍ إضافية نعيشها معكِ. 

بكيــتُ... 

فأخذتُ منديلاً من الدرجِ، وما إن استدرتُ؛ حتى سمعتُ بيتًا من الشعر يتسرَّبُ من خلفِ الباب.

غَصصتُ...وتركتُه مواربًا.

———

 وعند بابِ البيتِ دخلتُ

ولم أجدكِ..وجدتُ فناجينَ قهوة،وأصواتًا تتقاطع، و وجوهًا كثيرة وفهمتُ أخيرًا..أنَّ البيتَ إن فُقدَ روحه، لا يعود بيتًا بل يصبحُ مُتحفًا تتكدسُ بهِ الذكريات..عدتُ إلى مفترقِ غُرفِ الحنينِ

ولم أعد أُبالي أيَّ بابٍ سأفتح؛ لأن كل الأبواب يا مريمي ...لم تكن تُفضي إلاَّ إليكِ

تبدأُ منكِ ولا تنتهي أبدًا.

———

٢٢ | حزيران | ٢٠٢٦