إنّ ما أنتم على وشك قراءته الآن ليس نتاجاً لخيالٍ جامح، بل هي قصة واقعية تماماً، نُبشّت تفاصيلها من سجلات الأحداث الحقيقية التي هزّت العالم وغيّرت وجه التاريخ في العراق. لقد استغرق منا البحث والتدقيق في هذه المعلومات الاستخباراتية والسرية وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً لنضع بين أيديكم الحقيقة كاملة من زاوية لم تقرؤوها من قبل. نتمنى أن تنال هذه القصة إعجابكم وتثري وعيكم.

.البداية:

1. سقوط بغداد وبداية رحلة الاختفاء

في منتصف مارس من سنة 2003، بدأت الآلة العسكرية لقوات التحالف غزوها البري للعراق تحت شعارات رنانة تتحدث عن نزع أسلحة الدمار الشامل وتحرير الشعب العراقي، وهي الادعاءات التي ثبت زيفها لاحقاً. خلال ثلاثة أسابيع فقط، سقطت العاصمة بغداد، واحتل الجنود الساحات العامة. وفي مشهد رمزي شهير، أطاح المارينز بتمثال الرئيس العراقي صدام حسين في قلب بغداد بعدما غطوا وجهه بالعلم الأمريكي، قبل أن يتداركوا الأمر ويرفعوا العلم العراقي لتجنب غضب الحشود المتجمهرة. ولكن، رغم سقوط التمثال الحديدي وانفراط عقد الدولة، ظل الرئيس الحقيقي حراً طليقاً، عابراً للمدن، ومتخفياً كشبح لا يمكن اقتفاء أثره، مما جعل العثور عليه الهوس الأكبر للإدارة الأمريكية.

2. خطة أمريكا الذكية: أوراق اللعب والمكافأة المليونية

أمام العجز الاستخباراتي عن تحديد مكان صدام حسين، ابتكر الجيش الأمريكي أسلوباً غريباً؛ حيث قام بطباعة كروت لعب (ورق الكوتشينة) وزعها على الجنود في أوقات راحتهم تحمل صور وأسماء 52 مطلوباً من أركان النظام السابق لكي تحفظ الجيوش ملامحهم. وكان صدام يتربع على رأس هذه القائمة كـ "القص الأسود" رقم واحد، يليه ولداه عدي وقصي. ومع مرور الشهور دون جدوى، وضعت أمريكا رهانها على الإغراء المالي، فأعلنت عن مكافأة فلكية بلغت 15 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات عن أي من ولديه، و25 مليون دولار كاملة لرأس صدام حسين.

3. نهاية عدي وقصي والرسالة الصوتية المفاجئة

أتت المكافأة المليونية ثمارها بعد أربعة أشهر من الغزو (في شهر يوليو من نفس السنة)، حينما سار رجل عراقي نحو قاعدة عسكرية في مدينة الموصل ليبلغ أن عدي وقصي يتخفيان داخل فيلا فخمة تعود لأحد أقاربهما. سارعت القوات المحمولة براً وجواً لمحاصرة البيت, غير أن الشقيقين رفضا الاستسلام وقاوما بأسلحتهما الخفيفة. وفي مشهد عسكري غير متكافئ، استدعى الجيش الأمريكي ضربة صاروخية ثقيلة سوت الفيلا بالأرض، ليدخل الجنود وسط الغبار ويعثروا على جثتيهما. دفع الأمريكيون المكافأة البالغة 30 مليون دولار للمُخبر سرياً، وظن الكثيرون أن الخناق ضاق على الأب، لكن صدام فاجأ الجميع بخروج تسجيل صوتي ينعى فيه أولاده بنبرة تحدٍّ، مؤكداً أنه لا يزال حياً ويدير خيوط اللعبة من مكان ما.

4. المحقق مادوكس وسر العشيرة المحمية

بينما كان قطاع واسع من الجيش الأمريكي يشن غارات عشوائية عنيفة تترك خلفها الخراب بناءً على بلاغات كاذبة طمعاً في المال، ظهر محقق استخباراتي يدعى "إيريك مادوكس" برؤية مغايرة تماماً. قال مادوكس إن البحث عن المسؤولين السابقين لا فائدة منه، لأنهم كانوا يستمدون قوتهم من صدام، والآن هو لا يحتاج إلى رجال سلطة بل يحتاج إلى رجال حماية يحفظون سره. ركز مادوكس تحقيقاته في مدينة "تكريت" -مسقط رأس الرئيس- وتحديداً حول عشيرة "آل المصلط" التي ينتمي إليها الحراس المقربون من الدائرة الأولى لصدام. وهناك، برز اسم غامض تردده كل الشفاه باهتزاز: "محمد إبرهيم عمر المصلط"، الحارس الشخصي النخبوّي والعقل المدبر لعمليات المقاومة وحرب العصابات ضد القوات الأمريكية.

5. خيط السمك المسقوف.. كيف انطلق الفخ؟

بدأ المحقق مادوكس في تتبع شجرة عائلة محمد إبراهيم، فاستجوب ابن أخيه ثم سائقه الشخصي، وتوصل في النهاية إلى استجواب ابنه الصغير "مسلم". لم يكن الابن منخرطاً في المقاومة، لكنه ذكر عفوياً معلومة بدت تافهة لغير المحترفين: "أبي كان يأخذني لصيد السمك في بركة مياه صغيرة بمدينة سامراء". التقط مادوكس هذا الخيط وربطه بشهادة قديمة لطباخة كانت تعمل في القصور الرئاسية، أكدت فيها أن الأكلة المفضلة لصدام حسين هي "السمك المسقوف" العراقي الشهير. انطلق الجيش إلى مزرعة سامراء ليجدوا صيادين اثنين؛ تبين أن أحدهما لديه ابن عم يعمل ضابطاً في المقاومة ويسكن في شقة متخفية بقلب بغداد. ومن خلال هذه السلسلة من الروابط الضعيفة، داهمت القوات الشقة البغدادية لتجد أمامها الصيد الثمين: "محمد إبراهيم المصلط" نفسه.

6. ليلة المداهمة والحبل المدفون تحت الأرض

تحت ضغط الاستجواب المكثف ووعود الحماية لعائلته، انهار الحارس الشخصي الأقرب، واعترف بأن الرئيس يتخفى في قرية ريفية صغيرة تدعى "الدور" تقع شرق نهر دجلة. وفي ليلة 13 ديسمبر 2003، أُطفئت أنوار القرية بالكامل وزحف مئات الجنود برفقة الحارس الأسير. فتشوا بيتين ومزرعة ولم يجدوا أحداً، وكانوا على وشك الانسحاب ظناً منهم أن المعلومة كاذبة، حتى أشار الحارس مرغماً نحو كوخ طيني صغير بجانبه بقعة تراب. وبسبب حاجز نفسي، لم ينطق الحارس بمكان الحفرة مباشرة، بل بدأ يرفس بقدمه حابلاً برز جزئياً من الأرض. تتبع الجنود الحبل، ليزيحوا قطعة فلين ويمسكوا بفتحة نفق ضيق تحت الأرض.

7. القبض على الرئيس الخفي وكواليس البروباجندا

قبل أن يلقي الجنود قنبلة يدوية داخل النفق المظلم لضمان سلامتهم، خرجت يدان ممدوفتان برأس ملتحٍ كثيف الشعر، وصاح الرجل بصوت واضح: "أنا صدام حسين، أنا رئيس العراق". لم تكن عملية الاعتقال في ذلك اليوم من شهر ديسمبر نهاية للمأساة العراقية؛ إذ دخلت البلاد في فوضى وانفلات أمني لسنوات، لكن الإدارة الأمريكية استغلت المشهد إعلامياً بأعلى درجات "البروباجندا". فدعت الصحفيين وصورت ملجأ الرئيس بوصفه مكاناً بائساً لا يليق بمن بنى أفخم القصور، وبثت لقطات الفحص الطبي لأسنانه أمام الكاميرات العالمية. كان الهدف المدروس تحويل أنظار الرأي العام العالمي من كذبة أسلحة الدمار الشامل وأعداد الضحايا المدنيين المهولة، إلى صناعة صورة سينمائية لزعيم منهار تحت السيطرة، لتطوى بذلك واحدة من أكثر صفحات التاريخ الحديث إثارة للجدل.