في عتمة الليل، وفي منتصف ديسمبر، تحت ضوء القمر الخافت، كانت تتجول بخطوات بطيئة، وكأن حتى خطواتها مدروسة. كانت خصلات من شعرها تسقط كل فترة وأخرى، مقاطعةً حبلَ أفكارها بمداعبتها لوجنتيها.
كان الحي معتمًّا بعد أن انهمرت الأمطار طيلة الصباح، وكانت الطرق لا تزال مبتلة. استمرّت سيرها للمجهول، تنظر حولها نظراتٍ لا مبالية، بينما تتصارع الأفكار. كانت تشاهد المحلات تهدم، والسيارات تتسير بطرق غريبة، كأنها شيء من الوهم.
أكملت سيرها، وكأنها معتادة على هذا الخراب، لكن بعد أن وصلت إلى قلب المدينة، ازداد الخراب، وأصبح المنظر وكأن العالم بدأ بالانتهاء. فبدأت الأشياء بالطيران، وكان الجاذبية توقفت... وبعد فترة وجيزة، هزّت رأسها ليعود كل شيء إلى مجراه، فتلك المدينة ليست إلا عقلها، المكتظ بمئة موضوع وفكرة، كأنه ساحة حرب تتصارع فيها أفكارها للبروز.
لكنها باتت معتادة على هذا الروتين، على أنه لا يزال يزعجها بين حين وآخر لتظهر مقولة دوستويفسكي، وكأنها إشعار على الهاتف، لتردد بغير وعي:
"الإنسان كائن حقير يعتاد كل شيء."