لسنا الكائن نفسه !

نقسم أن لا نقع في الحب بعد الخيبة الأولى ثم نهوي مستسلمين راضين بمجرد ما أن يداعب نسيم حب جديد ستائر قلوبنا. تصرخ الحامل أثناء الوضع أنها لن تكرر فعلتها ولن تسمح لجنين آخر باحتلال أحشائها مرة ثانية، ثم تعيد الكرة مرة واثنتين تصرخ خلالهما بنفس الوعد والوعيد.

نفقد أبا أو أما، فيتحول الكون أمامنا لحفرة مظلمة لا يزورها الهواء، يصبح الاختناق رفيقنا الدائم، ونظن أن كل شيء بلغ منتهاه، الفرح والضحك والغناء. وينقضي عصر الحزن والنحيب لنعلن أخبار النجاحات ونقيم الأعراس والأمسيات وننجب الأطفال ونقدم الهدايا والوعود. ثم نتذكر في زخم البهجة الآباء والأمهات النائمين تحت التراب ونبتسم.

قدرة الإنسان على التجدد تكاد تكون معجزته الحقيقية. قابليته للانبعاث بعد الخراب وإصراره على المواصلة يجعلان منه كائنا فريدا من نوعه.

أذكر اليوم الذي حملت الهاتف لأخبر فتاة في عقدها الثاني بأن تلتحق فورا بالمستشفى، كنت أحمل لها أسوأ خبر قد يحمله شخص لآخر. والدها الخمسيني يفارق الحياة بعد صراع ضار مع المرض، مرض مفاجئ وموت سريع لم يمنحا للفتاة المغرمة بأبيها الوقت الكافي لاستيعاب ما يحصل. كانت تنظر نحوي كما ينظر سجين منهك لقاض ظالم، كأني تحالفت مع الموت ضدها. تركتها تبكي أباها وتنعي بطلها ورحلت. صادفتها أخيرا تنتعل حذاء بكعب وفستانا بهيا يلفها كوردة عطرة، تضع حمرة على خديها اللطيفين، وتتناول طبقا شهيا رفقة صديقات لها وتضحك. تبادلنا التحية ونظرات الامتنان، أخبرتني أنها أنهت دراستها والتحقت بوظيفة جديدة طالما تمنتها. بينما هي تتكلم بهدوء ورقة كنت أنا أبحث عن الشابة الحانقة الحزينة التي رأيتها آخر مرة، ترثي أباها الذي رحل فجأة فلم أجدها. وجدت إنسانة متجددة لها مشاريع وخطط جديدة، سعدت جدا لأجلها، لأجل الأنثى الحية التي خرجت من جسد أخرى محطمة فارقت الوجود.

أنا أيضا عشت مراحل اعتقدت فيها أنه ما عادت هناك فرصة ثانية ولا ثالثة. توهمت لأيام طويلة أن كل ما يمكن فعله هو العيش إكراما لما فات، وبأن الحطام الذي ينتشر داخل عقلي والخراب الذي يحتل كياني سيبقيان حليفين غير مرغوب فيهما على الدوام، لأستيقظ في يوم من الأيام أتحسس بروز شخص متجدد يحاول بسط نفوذه بكل هدوء وإصرار، يحترم كل ما قد كان ويحمل بين يديه مخططا جديدا وآمالا جديدة ورؤى مختلفة. يدعوني بحكمة واتزان لطي الصفحات المهترئة وحمل قلم جديد ثم كتابة شطر مختلف. كنت أشعر بشعور المرأة التي أقسمت أن لا تكرر عملية الإنجاب وهي تزف للناس بفرح شديد خبر حملها الجديد.

الرغبة العارمة في الحياة تنتزع الإنسان انتزاعا من آلامه وعثراته، تنازع فيه استسلامه لدوائر اليأس والقنوط وتخرج للوجود كائنا جديدا يعيد تشكيل قصص جديدة، بآمالها وآلامها وآثامها.

تتجدد خلايانا كل يوم، وتتغير ملامحنا فتظهر بثور وتختفي أخرى وتبرز تجاعيد وخصل بيضاء ويتغير ملمس جلدنا وتتجدد الدماء السابحة بداخلنا. كل يوم ينبثق للوجود منا شخص جديد يختلف عن ذلك الذي كان بالأمس، شئنا أم أبينا لسنا الكائن نفسه على الدوام، لا نحمل المشاعر نفسها ولا نداعب الأحلام نفسها ولا نؤمن بالأوهام نفسها. أجسادنا تتجدد، أرواحنا تبعث من الخراب وأحاسيسنا تقذف بداخلها نفحة الحياة من جديد، نولد مرة ونتجدد كل مرة.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

هذا ليس تجديدا، وليس ولادة أخرى، ولا نمسة حياة أخرى عزيزتي..

هذه نعمة النسيان، التي أغذقها الله علينا، لولاها لكنا كائنات خاوية، ولأقدم جميعنا على الانتحار من أول مصيبة تحل علينا..

تخيلي حياة الشخص دون نسيان، لما كنا الآن نتحدث، لكان خبرا واحدا سيقضي علينا، لكن في نفس الوقت النسيان يجعلنا نستمر لكن لا نتجدد، لأنه جروحنا معنا دائما، لا نولد دون ذلك الحزن..

الفتاة التي كانت في أبهى حلتها يوم احتفالها بوظيفتها، حين ستعود للبيت ستنهار وتبكي والدها لأنه ليس معها..

لهذا نحن نفس الكائن دائما، لكن النسيان يجبر خاطرنا فقط، ويجعلنا نستمر..

فقط

أهلا عزيزتي عفاف

تخيلي حياة الشخص دون نسيان، لما كنا الآن نتحدث، لكان خبرا واحدا سيقضي علينا، لكن في نفس الوقت النسيان يجعلنا نستمر

لم أفهم هذه الجملة، ماذا تقصدين؟

ما الذي لم تفهميه بالضبط؟

فقط اشرح أن النسيان يجعلنا نستمر في الحياة، عوض لو أننا كنا لا ننسى، لكان موت قريب وعزيز يجعلك تعيشين نفس الألم طويلا ودائما

لم أفهم كيف أنه لو لم نكن نملك ملكة النسيان فإن خبرا واحد كفيل بقتلنا، لماذا؟

هذا ما قصدته:

ولأقدم جميعنا على الانتحار من أول مصيبة تحل علينا

ليس نفسيا وجسديا كما قالت @NohaElsayed ، أنا اقصد المعنى الحرفي، الموت ستتوجهين له لإنهاء ألم عدم النسيان يا فردوس

أجل فهمت الآن، شكرا لك

ألم عدم النسيان الذي يشبه دراما الخائب الذي ألقى بنفسه من هاوية رحبة وتذكر أتفه التفاصيل التي ذهبت به إلى تلك الحافَة. فتصاحبه تلك اللعنة وهو في العالم الآخر أيضاً.

هذا يؤكد على ضرورة الانبعاث من جديد.

لأن مكوث حدث مؤلم في ذهنك طوال الوقت دون نسيان سيحول الحياة لجحيم

لن تهنأي بطعام أو شراب أو نوم هادئ وبالتالي نفسيا وجسديا سنموت

شكرا نهى لشرحك، فهمت الآن

العفو فردوس^_^

أوافقك الرأي عزيزتي فردوس، فإن كلمة إنسان لم تُطلق علينا من فراغ، فهي تؤكد أن علينا شكر المولى عز وجل على نعمة النسيان، لنتمكن من مواكبة الحياة. المسير في طريق الحياه محفوف بالصعوبات وإذا ركزنا في جميع التفاصيل بيأس فإننا لن نخرج من دوامة تعذيب النفس.

مساهمة أثرت في كثيرا

الشيء المبهر في الإنسان هو أنه دائمًا ما يكون قادرًا على المواجهة. ذلك الأمر هو الذي يمكّنه دائمًا من الاستمرار. وبالرغم من أنه يبدو شيئًا فريدًا، فإننا إذا قمنا بتحليله تبعًا لطبيعة حياة الإنسان سوف نستنتج أنه أمر منطقي للغاية. حياة الإنسان ذات طابع اجتماعي يعتمد على التفاهم مع الآر من خلال أحداثها، وحتمية النهاية صفة ملازمة لحياة الإنسان مهما حاول إنكار ذلك، فمن الطبيعي أن يكون تكويننا النفسي قادر على ذلك النوع من التخطي حتى لا ننتهي أو نتآكل بفعل تلك الشدائد.

أوافقك الرأي إلى حد ما، دعني أطرح عليك سؤالاً أخي علي،

بنظرك، هل كل إنسان يمكنه المواجهة، أم أن هناك من يستسلم بسهولة ويضطر آسفاً لإنهاء حياته بيده لأنه وصل مع نفسه إلى نقطة اللاعودة من اليأس؟!

جميل جداً ما كتبته، لقد أيقظتِ فيّ الحنين ومزيج من المشاعر المتناقضة والمتقلبة، وتعلجيني أدرك حقيقة ما أنا عليه من تفكير مفرط تجاه ما أشعر. لوهلة في حياتي ظننتُ أنَّي أعاني الانفصام لكثرة تقلبات أفكاري، ولكن بقراءتي لكلامك أيقنت أننا "لسنا الكائن نفسه على الدوام، لا نحمل المشاعر نفسها ولا نداعب الأحلام نفسها ولا نؤمن بالأوهام نفسها".

أؤمن جداً بقابلية الإنسان على ترميم نفسه ذاتياً، فلو أنه أوقف حياته على نقطة ما من الخراب الداخلي فإنه بذلك يحفر قبره بيده.

لقد عانيت الاكتئاب بسبب مقاومتي للتغيير وتجسدت فيّ صفة الحقد، ولكن بعد أن أدركت حقيقة أن للإنسان قابلية البعث من جديد كما أقتبس منكِ "قابليته للانبعاث بعد الخراب وإصراره على المواصلة" أصبحتُ مخلوقةً جديدة لا تؤثر فيّ تقلُّباتي المزاجية.

ببساطة الشيء الواحد الثابت في الانسان هو انه يتغير