في الأيام التي تلت لقائنا القصير، لم أستطع إخراجه من رأسي.
لم يكن مختلفا، لم يكن مثيرا، ولم يكن متوقعا.
كان مجرد حضور بسيط، لكنه أثقل من أي كلمات.
لم يتصل، ولم يرسل رسالة، ولم يعلن شيئا، لكنه كان هناك، في طريقة تفكيري عن الأشخاص الذين يمكن أن يحبوا.
بدأت ألاحظ الناس من حولي بشكل مختلف.
الزملاء، المارة، الوجوه التي تتكرر في مقهى قريب، كل شيء بدا وكأن له معنى خفي.
لم يكن أحدهم ممثلا للحب، لكنهم كلهم انعكاس لما أبحث عنه: مساحة يمكن أن يزهر فيها الحب، أو على الأقل مكان يسمح له بالوجود.
في الطريق إلى المنزل، كنت أمر بمواقف صغيرة لكنها ثقلها أكبر من وزنها.
رجل يبتسم لامرأة، امرأة تنتظر المترو، طفل يركض خلف كرة ضائعة، كل التفاصيل التي كنت أغفلها قبل ذلك.
ورغم بساطتها، شعرت أن كل شيء يحكي عن احتمال حب لم يُكتمل.
لم أحاول الاتصال به، ولم أحاول تفسير تصرفاته.
عرفت منذ البداية أن هذا الحب ليس ملكي، ولا له حقي.
إنه مجرد احتمال، مثل ضوء خافت في نهاية النفق، لا يمكن الإمساك به، ولا يمكن تجاهله.
بدأت أكتب لنفسي، بصمت، رسائل لم أرسلها، وأسئلة لم أجد لها جوابا:
لماذا يصبح الحب أحيانا عائقا؟
لماذا أقصى الأماكن والأوقات أقدر على الحب فيها؟
لماذا يبدو من يحبنا أننا نتركه قبل أن نصل إليه؟
صديقتي لاحظت تغييري وقالت:
"توقفي عن الانتظار، الحب لا يأتي هكذا، ويجب أن تعرفي متى تحمين قلبك".
ابتسمت، لأنني كنت أعرف أنها محقة، لكنني أيضا كنت أعرف أن القلب لا يسأل عن الصواب أو الخطأ.
في المساء، جلست بمفردي على الشرفة.
المدينة صامتة، الأضواء خافتة، والهواء بارد لكنه صادق.
تذكرت كل الأشخاص الذين أحببتهم ولم يُكملوا الطريق معي، كل محاولة توقفت قبل أن تتفتح، كل وعد لم يُعطَ له فرصة، كل لحظة حب لم تُسمح لها بالاستمرار.
لكن هذا الشعور الجديد، البسيط، الصامت، كان مختلفا.
لم يكن وعدا، ولم يكن خيبة، لكنه أعادني قليلا إلى نفسي التي ظلت معلقة بين التأجيل والخوف.
عرفت أن الحياة ستتدخل كما اعتادت، وأنه ربما لن يكون هناك أي لقاء آخر.
لكن مجرد شعوره قريباً كان كافياً لأتذكر أن الحب موجود، حتى لو لم يُكمل، حتى لو لم يُعترف به، حتى لو لم يُحتفل به.
في اليوم التالي، مررت بالمكان نفسه الذي كنا فيه، ورأيت تفاصيل لم ألاحظها من قبل.
زهرة صغيرة تنمو من شق في الرصيف، ورجل يقرأ صحيفة بلا اهتمام، وطفل يضحك مع جدته.
كل شيء بدا وكأنه يحكي نفس القصة: الحب يحدث، أحيانا، في أبسط اللحظات، في أصغر التفاصيل، في صمت لا يلاحظه أحد.
وهكذا، في صمتي، بدأت أتقبل فكرة الحب كهبة صغيرة.
ليس دائما سعيداً، وليس دائما مكتملًا.
ولكنه موجود، حتى لو لم يكن ملكي، حتى لو لم يُكمل الطريق معي.