في قصص تولستوي القصيرة: "الجميع يفكر في تغيير العالم، لكن لا أحد يفكر في تغيير نفسه".

  • Moaz_Ahmed

دوماً ما أسير في الطرقات وأتنقل بين وسائل المواصلات العامة وأجلس في الأماكن العامة، ودوماً ما أستمع للنقاشات التي تدور في مثل هذه الأماكن المفتوحة، وأجد الكثير ساخطاً، ربما على الأوضاع المعيشية التي يعيشها المجتمع، أو الأوضاع الأخلاقية التي تردت في المجتمع، أو القيم التي فقدناها، أو أو أو...

وأجد جميع الأطراف متفقين على أنه ينبغي أن نغير من هذا الواقع، وكيف يمكنهم أن يمنعوا هذه الأوضاع المرفوضة، وكلهم رغبة في تغيير المجتمع من حولهم.

وكثيراً ما كانت تومض في رأسي مقولة تولستوي "الجميع يفكر في تغيير العالم، ولكن لا أحد يفكر في تغيير نفسه" وأتساءل، ألا يرغب أحد هؤلاء في تغيير نفسه قبل تغيير المجتمع؟ لماذا يفكر الجميع من هذا المنظور؟

مع أننا لو نظرنا نظرة شخصية لكل فرد ورأينا أنه قد غير من نفسه، ثم توسعنا في نظرتنا لوجدنا أن المجتمع كله قد تغير، هكذا وبدون أن يبذل أحدٌ جهداً في تغيير المجتمع.

قد لا تختلفون معي على أن تغيير المجتمع يبدأ بتغيير الفرد من نفسه، ولكن الذي أستغربه هو أن الغالبية العظمى تميل إلى إلقاء اللوم على المجتمع، وهم يعلمون علم اليقين أنهم بذلك يلومون أنفسهم إذ أنهم يشتركون في نفس المعضلة،

وكأنهم يهربون من أنفسهم بإلقاء اللوم على المجتمع!


البيئة التي عشنا بها تعاملنا بشكل مجموعي ولذلك برأيي من الطبيعي جداً أننا حين نريد أن نغيّر ونتغيّر أن نتعامل مع المسألة بصفتها حركة جماعية وننظر للأمور نظرة مجموعية، بالمدرسة الصالح عندنا يظلم الطالح حين يأتي العقاب، فنرى العقاب مجموعي والنعمة مخصصة، هذا الأمر الذي اعتدنا عليه، حين نريد أن نأكل نجمع الناس، حين نريد أن ندرس نجمع الناس بحلقات ومعاهد أشكّ بوجودك مثيلاتها فعلاً بأوروبا، حتى المكان المقدس الذي من المفترض أن يكون اسمه مسجد نقول عنه: جامع. نحب الجمعة والاجتماعات بكل شيء، وهذا ينعكس أيضاً على مسألة التغيير، لا نستطيع الاقتناع بأننا حين نتغير يجب أن نركّز على أنفسنا.

وهذا ينعكس أيضاً على مسألة التغيير، لا نستطيع الاقتناع بأننا حين نتغير يجب أن نركّز على أنفسنا.

النظرة الجماعية لانفسنا تجعلنا نحيد النفس عن ذاتها بل ننظر إليها ضمن مجموعة أفرد، والأكثر خطورة هو أن كلٌ ينتظر مبادرة الأخر باحداث تغيير ويكيل الاتهمات والتذمر من أوضاع المجتمع، أذكر أنني شاهدت مرة مقطع فيديو يصور شخصا يرمي ورقة في الشارع ثم جاء بعده شخص أخر ورمى أيضا بعض القارورات في نفس المكان، لتأتي بعده سلسلة من الأشخاص يحسبون أن المكان مرمى للنفايات ونلقي نفاياتها، وفي أخر النها جاء الشخص الأول يكيل الاتهامات والنقمات على الدولة والمجتمع أنهم لم يعتنوا بنظافة المكان! ونسي أنه السبب الأول في هذا الوضع، وبسبب ورقته تراكمت النفايات بعده، المقطع المصغر هو انعكاس واضح لأفكار المجتمع وكيف يسر.

كلام رائع.

ولكن إذا عكسنا الوضع فهل تكون النتيجة مشابهة؟

بمعنى: ماذا لو أن النفايات موجودة بالفعل، وأتى شخص وأزال ورقة، أو أخذ يزيل النفايات كلها واحدة تلو الأخرى، فهل يقتدي به الآخرون كما حدث في حالة الرمي؟

أم أنهم فقط يقتدون ببعضهم البعض في الأمور السلبية؟

المعضلة هنا أن التغيير يحتاج إلى الانضباط وكثير من الوقت، فالجميع يريد أن يكون جسده رياضيا ممشوقا بدون أن يبذل مجهود لهذا ولأن المجهود يتطلب طاقة والنتيجة تحتاج إلى وقت، فلا تجدنا جميعا بأجسام ممشوقة أليس كذلك، خذ هذا المثال وطبقه على الجميع في المجتمع من الذي يستمر في الالتزام بنظافة الشارع ومن الذي يستمر بانتظام في تحسين أوضاع غيره، وطالما كان وحيدا ويبدء بنفسه فقط دون التوسع ويكون له شركاء في هذا التغيير فمع الوقت ستقل عزيمته، أما لو تشارك الجميع فسيكون هنالك نتيجة لهذا، مثلا في أسوان هنالك قرى بالكامل لا تجد بها ورقة واحدة في الطرقات لأن الجميع يهتم بهذا الأمر فلو توقفوا جميعا وظل شخص واحد يحاول التغيير بدون دعم فسيتوقف عاجلا ام أجلا.

البيئة التي عشنا بها تعاملنا بشكل مجموعي ولذلك برأيي من الطبيعي جداً أننا حين نريد أن نغيّر ونتغيّر أن نتعامل مع المسألة بصفتها حركة جماعية وننظر للأمور نظرة مجموعية

ولكن هذا لا يغير من حقيقة الأمر شيئاً، فليس لأن المجتمع اعتاد شيئاً أن يصبح هذا هو الصحيح، فهنا مثلاً طغت تلك النظرة المجتمعية التي نشأنا عليها على الصحيح فجعلت منه بعيداً عن المتناول، وأصبحنا نرى أنه علينا التعامل من هذا المنطلق ليس لشيء سوى أنه الواقع.

فكيف يمكننا أن نقنع أنفسنا بأننا حين نتغير يجب أن نركز على أنفسنا؟

برأيي من الطبيعي جداً أننا حين نريد أن نغيّر ونتغيّر أن نتعامل مع المسألة بصفتها حركة جماعية وننظر للأمور نظرة مجموعية

الفرد جزء من المجموع، الثورات حركات جماعية لكنها تبدأ بأفراد أفكارهم تجذب غيرهم وتجمعهم، ومعظم الثورات الناجحة قادها أفراد، فلو شعر كل فرد بأنه مسئول عن التغيير وبدأ بالتفكير واتخاذ خطوات فعالة فلم لا يتبعه الآخرون خاصة إذا قام بتوجيههم.

هذا يتطلب منه أن يكون مؤثراً فيهم، أو أن يأتي بفعل عظيم يؤثر فيهم ويجعلهم يقتدون به في نهوضه.

ولكن على الصعيد الفردي قد يصعب تحقق ذلك.