تأمّلات في عبادة المشاعر ولهيب العواطف!

  • HamzaSalim

بين أكناف الروبوتات يقف الإنسان متسائلاً حول مصيره، هل سينتهي العالم البشري في اللحظة التي يصبح فيها الرجل الآلي قادراً على إتمام كل المهام البشرية؟ ثمّ يتنبّه، فلا آلة يمكنها أن تملك قلباً يضخّ شعوراً كما يفعل هو، هذه هي ميزته الحقيقية: الشعور. لكن إلى أيّ درجة قد يتيه الإنسان في ميزته الباقية؟ 

يشهد العالم الحديث حركات إحياء للمشاعر والإنسان العاطفي، فنحن ننقّب لا عن السعادة فحسب وإنما عن كلّ الانفعالات الإنسانية المفاجئة، عن الفيلم الأكثر تأثيراً، والرواية الصادمة التي أبكت الملايين، والتجارب المفعمة بالأدرينالين، نزور المتاحف القديمة بحثاً عن الاتصال بالماضي والشعور بالحنين، نذهب إلى مدن الملاهي لنستشعر الخوف اللذيذ.. لا نترك شعوراً ينسلّ منا دون اختباره، نريد أن نتلمّس كلّ ذبذبة، ونعيش كلّ تجربة ممكنة.

حتى المجتمع الاستهلاكي بدأ في مخاطبة الإنسان الحساس "أموسنتيانس Homo sentiens" فهو يعدنا ب"موجة من المشاعر الجديدة" عند شرائنا ألبسة معينة، وخريطة إلى "جميع الأحاسيس" إن حصلنا على المنتج الفلاني. 

هذه العودة للإنسان العاطفي قد تمثّل ردّ فعل إيجابي ينهي ما خلّفته المبالغة في العقلانية من آثار، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى المبالغة في المشاعر العاطفية الانفعالية وترك الأحاسيس والتأمل وقدرة الإنسان على العيش بهدوء والاستمتاع بغروب الشمس أو ضحكة طفل لخلوّها من الدفقة الشعورية هائلة التأثير.

يمثّل هذا الإحياء للعاطفة الراقدة العجز الذي يشعر به الإنسان المعاصر، بين فقدانه السيطرة على حياته الخاصة من جهة وعدم قدرته على خوض الاحتجاجات السياسية. فالشباب محتاج للحركة؛ جيل الستينات كان يملّ فيثور ويحتجّ وتحتدم الحركات السياسية، بينما جيل اليوم لا يملك خياراً - سهلاً- مشابهاً، لا أمل لديه في التغيير وفي قدرته على التأثير في العالم، لذا فهو يحوّل تلك الطاقة الثائرة إلى داخله حتى تتراكم وتتحوّل إلى شعور، ورومانسية. 

الهروب إلى الحياة الداخلية و"حياة الروح" ليست جديدة على التاريخ، فالجيل الرومانسي الذي نشأ في فرنسا نهايةَ القرن الثامن عشر كان ناجماً عن توالي الإحباطات على الشعب الفرنسي بعد سقوط نابليون وهزيمة فرنسا عام 1870 وهزيمة واترلو، لذا حوّلوا رغبتهم بالانتقام والثأر -العاجزين عنه في الحقيقة- إلى طاقة حسيّة رومانسيّة، وإن كانت تميل إلى كونها عميقة ولبقة لا انفعالية كالتي نشهدها اليوم لكنّ عالمينا العاجزين يتشابهان. 

ليست المشكلة اليوم في حضور الشعور وسيطرته على العالم بل في جودته؛ في حكم المشاعر الانفعالية على التأملية والبحث عن كلّ ما يمكنه ضخّ الأدرينالين فينا وكلّ ما يمنحنا القدرة على الاهتياج الشعوري المخدّر للحواس. 

على الإنسان ألّا يخاف من اللحظة التي يتحوّل فيها شعوره بالحبّ المتّقد إلى الحبّ الساكن الهادئ، وأن يُحيي قدرته على التأمّل ورؤية الجمال كما هو والإحساس به دون سعي حثيث لتجربة مشاعر استثنائية لها ذروة تستحيل سراباً بعد انتهاء الحدث، ليحصل على ما وجد الإحساس لأجله: السَكن والاستقرار.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

الشباب في جيل الستينيات كانوا معتادين على تقاليد معينة كانت مشاعرهم أرقى بكثير من مشاعر الشباب المجنونة الآن، شباب الآن لديهم حلول متطرفة لأيّ مشكلة؛ فلو رفضته فتاة ينتقم منها وربما يقتلها كما حدث مع نيرة أشرف وإيمان إرشيد، ورنين سعلوس.

الشباب قديمًا أو حديثًا لا يمنعهم أيّ شيء عن الاحتجاج أو الثورة هم فقط فقدوا شغفهم بالمستقبل، وتحولوا مع مرور الوقت من شباب يتطلعون لمستقبل أفضل لشباب سطحي لا هدف لهم ولا حتى هوية تميزهم عن القطيع.

حتى المشاعر صعبتوها علينا 🤣🤣

HamzaSalim أضف ردا

مرحبًا بتول

إنَّ الهوى لموج يتلاطم، لا يدري صاحبه أعلاه أم على عليه، وإن لم تكن هذه النصوص حارسة لجميع الناس، فهي على الأقل تزيدُ المتحذِّر حذارًا. أمّا عن هوى نفسي فأوافقك، وأتمثَّل بالبيت القائل:

تهتَّك بالهوى حينًا وطوبى

لمن قبل النُهى خلعَ العذارا

فأسرفَ في الغوايةِ ثمَّ ولَّى

كتنورٍ غداةَ البين فارا

لا أرى في لهيب العواطف والانفعالات ما يلتفت له عقلي أو ينجذبُ له قلبي، ولا أدري لم حين أرى تجربةً إطارها يغلب عليه المبالغة في إبداء المشاعر أستشعر في نفسي أن مؤشرات صدقها ودواميتها تقلّ في نظري.

أميلُ لاتزان الفكر الذي يصل بالمرء لموازنة شعوره وإبدائه، وأشعرُ أن في التريث لكليهما منفعةٌ لأصحابها وصدقُ يقين.

ولعلّ من أكثر ما نلاحظ الآن يا حمزة، العلاقات الظاهرية خاصةً على منصات السوشيال ميديا، التفاخر بالهدايا والتنزه والسفر ، ولا يلبث الكثيرون الا ويعلنوا عن تعرضهم لخذلان شديد ينتهي بالقطيعة!

هل ترى في إظهار المشاعر على منصات السوشيال ميديا منفعة أم تعاسة لأصحابها ، وهل لخصوصياتنا سبيلٌ للظهور من خلال منصات كهذه ؟

هل ترى في إظهار المشاعر على منصات السوشيال ميديا منفعة أم تعاسة لأصحابها ، وهل لخصوصياتنا سبيلٌ للظهور من خلال منصات كهذه ؟

أنا أتطرَّف وأقول: لا ينبغي أن نُظهرها لأنفسنا حتى!

إذا اظهرناها زدنا بها وعيًا، وجعلناها صنمًا نزوره كل يوم.

انما هي هواجس تنطوي على هواجس، فقد لا أحبُّ فلانًا بل أريد أن أتهرَّب من ضغط الحياة للذّة الهوى.

اما الخصوصيات فهي تختلف بين شخص وآخر، بعضهم يطيق نشر كل تفصيلة عن حياته أمّا أنا فلا!