ويأتي بعد هذا الخراب رجلٌ آخر…
لا يحمل مرايا، ولا يتقن فنّ الإبهار، ولا يعرف كيف يُغرقها بكلماتٍ مصقولة كوعود النرجسيين.
يأتي بسيطًا… صادقًا… واضحًا حدّ الشفافية.
يحبّها كما هي، لا كما يريد أن يراها.
لا يحاول أن يملأ فراغه بها، بل يفسح لها مكانًا لتكون نفسها.
لكنها… لا ترى ذلك.
هي لا تراه رجلًا مختلفًا،
بل تراه نسخةً مؤجلة من الخديعة الأولى.
تشكّ في هدوئه،
ترتاب من صدقه،
وتفسّر طيبته على أنها تمهيدٌ لجرحٍ قادم.
فبدل أن تركن إلى حضوره، تبدأ باختباره…
تدفعه نحو الحافة، تراقب إن كان سيسقط في النرجسية كما سقط سابقه،
تفتعل المسافات، وتزرع الشكوك،
كأنها تريد أن تُثبت لنفسها أن العالم لا يُنجب إلا نسخةً واحدة من الألم.
وهو… يبقى.
يحاول أن يرمّم ما لم يكسره،
ويعتذر عن جروحٍ لم يُحدثها،
ويُقسم كل يومٍ أنه ليس ذلك الرجل الذي هدمها.
لكنها لا تصدّق.
ومع الوقت… يحدث التحوّل الأكثر قسوة:
يبدأ هو بالتآكل،
يتعلّم الخوف منها،
يحسب كلماته، ويخشى صمته،
ويفقد نفسه… وهو يحاول أن يُقنعها بأنها آمنة.
فتنقلب الأدوار.
تصبح هي الجدار، وهو من يطرق،
تصبح هي الباردة، وهو من يحترق،
تصبح هي الهاربة، وهو من يطارد ظلّ حبٍّ كان من حقّه أن يُعاش ببساطة.
وللمفارقة المؤلمة…
هي لم تكن تبحث عن حبٍ مؤذٍ،
ولا هو كان عاجزًا عن أن يمنحها الأمان،
لكن الجرح القديم…
حين لا يُشفى، لا يكتفي بأن يُؤلم صاحبه
بل يُعيد كتابة كل قصةٍ جديدة… بنفس النهاية.
بقلمي ...
رامــي البــاسط